مخلفات ربيعية: هل ضل الجميع سبيله

Current Affairs and hot topics.
أحداث جارية وقضايا ساخنة

Moderators: nihadsirees, Jihan, sahartawfiq, weamnamou

مخلفات ربيعية: هل ضل الجميع سبيله

Postby Fadi Elhusseini » Tue Jun 02, 2015 12:47 am

Image
بقلم: فادي الحسيني

01 يونيو/ حزيران/ 2015
بلاد العرب....ما أن يتوقف صراع في بقعة، وإذ بصراع جديد يشب في بقعة أخرى، وما أن تهدأ ولو مؤقتاً نيران في بلد، وإذ بحريق كبير يشتعل في بلد آخر، وبدا وكأنه نظام إقليمي جديد، تتشكل ملامحه بمعطيات جديدة مختلفة عن سابق المعطيات، ويتحرك الفاعلين فيه، بشخصيات جديدة وآليات ومفرزات عديدة. كان بروز دور الفاعلين غير الدوليين أهم معطيات هذا التغير، وتدحرج دورها ليصبح مارق للحدود وعابر للبلاد، غير آبه بأحكام الواقع، الذي حكم المنطقة لعقود طويلة.
كان للفاعلين غير الدوليين- وتحديداً الحركات الإسلامية- دوراً محدوداً قبيل ثورات العرب أو ما سمي بالربيع العربي. وقبل التطرق لدور الحركات أو الفاعلين غير الدوليين، يجب الإشارة إلى أن تسمية حركات الإسلام السياسي أو حركات الإسلام المعتدل هي مصطلحات وصفية تعطي صبغة معينة بعيداَ عن المضمون. فالإسلام دين شامل جامع لا يصح إلصاق صفة السياسة أو صفة الإعتدال به، ودون غيرها من الصفات. وما هذه التسميات والمصطلحات إلا إبتكارات "خلاّقة" للتفريق بين مجموعات وأخرى.
فعلى سبيل المثال، إرتأت قوى الغرب فرض وصف "الإسلام المعتدل" لتبرير التعامل مع جماعات دون غيرها في المنطقة، ويمكن للقارئ أن يسرح بذهنه ليشكل حدود المقصد من كلمة التعامل- إبتداءاَ من التعاطي والإتصال وصولاَ للتحالف والتجنيد وتوجيهها لخدمة أهداف بعينها. من جهة أخرى، لم تر الكثير من هذه الحركات أي لغط من وصفها بالمعتدلة أو السياسية إن كان هذا يعطيها مساحة أوسع من العمل في المجتمعات، ويفرقها عن جماعات أخرى تنتهج سلوكاً عدوانياً أو عنيفاً ودموي. وعليه، فإن كان لنا وضع توصيف أدق لهذه الحركات، يمكنا وصفها بالحركات ذات التوجهات الإسلامية فقط دون إلصاق أي صفات أخرى، فجميعها ينشد هدف واحد- عودة الحكم الإسلامي (كدولة أو حكم)، والفارق يكون فقط في العامل الزمني الذي يؤثر على المنهج، فمن يرى من هذه الحركات أن التغيير يجب أن يكون تدريجياً وبطيئاً، تكون سياساته غالباً سلمية، ومن يرى من هذه الحركات أن التغيير يجب أن يتم بشكل فوري، تتسم سياسته وأفعاله بالعنف وفرض التغيير بالقوة.
وفي عودة إلى دور الحركات أو الفاعلين غير الدوليين، نجد أن حماس وحزب الله إضافة إلى القاعدة كانوا الأبرز ظهوراً قبيل أحداث ما يسمى بالربيع العربي. ولكن، ثورات العرب أبرزت دوراً واضحاً لا يختلف عليه إثنان لهذه الحركات، بل بدا دورها طاغياً على دور الكثير من دول المنطقة، وفرض سياسات بعينها على عواصم كبرى دول العالم. وفي الوقت الذي إستغرقت مفاهيم (كالعولمة) عقوداً لتخترق الحدود السياسية التقليدية، ألغت هذه الحركات في وقت قياسي حدود رُسمت في بدايات القرن الماضي (إتفاقية سايكس بيكو). تمدد الفاعلين غير الدوليين في بلاد العرب بشكل عرضي، وتولد عنها فاعلين أصغر لا يقل دورهم خطورة عن دور الفاعلين الأم.
هذه الحركات إنتشرت بأسماء مختلفة (كالقاعدة وجبهة النصرة- داعش أو تنظيم الدولة- حركة الحوثيين- والمجاهدين وغيرها) في شبهة الجزيرة العربية والعراق والشام، وصولاً إلى شمال أفريقيا، ولا يبدو أن تمدد هذه الحركات سيتوقف عند أي حد معلوم، فأثبتت هذه الحركات أن لديها قوة تنظيمية ولوجيستية لا ترتبط بالعنصر البشري، فتعداد عناصر هذه التنظيمات المحدود لا يعكس إطلاقاً حجم "الإنجازات" التي حققتها في وقت قياسي. العنصر الأهم في هذه المعادلة هو التحالفات والإرتباطات الإقليمية والدولية لهذه الحركات، حيث توفر لها عنصري الدعم المادي واللوجيستي (العسكري)، وإن كان في الكثير من الأحيان بعيداً عن الأضواء.
فرضت هذه الحركات أجندات محددة على دول المنطقة والعالم، وتكاد لا تخلو أية مؤتمرات أو قمم من الإشارة لهذه الحركات وكيفية التعامل مع الأزمات التي خلفتها. ويمكن لنا القول أن أنشطة هذه الحركات في سوريا والعراق شكلت مثالاً واضحاً لتشابك الأهداف والعلاقات، والتخبط الدولي والإقليمي الذي خلفته.
فبعض دول المنطقة آثرت دعم بعض هذه الحركات، أو على الأقل غض الطرف عنها وعن نشاطاتها وتحركات عناصرها، بغية إضعاف قوى وحركات أخرى (كحزب العمال الكردستاني وحزب الله) أو إلحاق الأذى بنظام الأسد بشكل عام. من جهة ثانية، القوى الغربية التي ترى في حزب الله حركة إرهابية لم تعترض على تحركات ونشاطات حزب الله في سوريا في سبيل إضعاف جميع الأطراف المتناحرة، وإضافة العنصر المذهبي على الصراع. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد إستغلت وجود هذه الحركات لتسوق لحلفائها في المنطقة أهمية دورها "كمورد" للسلاح والعتاد، و"كمتشار" يزودها بالخبرة والمعلومات، و"الحامي" من خلال الضربات الجوية- وأشارت العديد من التقارير إلى القفزة النوعية في عائدات صادرات السلاح الأمريكية في السنوات الأخيرة. روسيا التي تعلم أن أحد أهداف الولايات المتحدة الأمريكية من الإتفاق النووي الإيراني هو زيادة الضغط عليها وإلحاق الضرر بإقتصادها (حيث أن الإتفاق سيؤدي حتماً لدخول منافس كبير في سوق البترول وبالتالي إنخفاض في أسعار النفط) لم يكن لها خيار سوى مباركة هذا الإتفاق أملاً في تأمين مصالحها في المنطقة وخاصة مع علمها بأهمية شبكة حلفاء إيران والحركات التي تدين لها بالولاء في المنطقة.
هؤلاء الفاعلين- غير الدوليين- أصبحوا واقعاً وجزءاً من هذه المنطقة، ورغم الإعتراضات المتكررة من دول المنطقة على وجود هذه الحركات، ورفض جميع الأنظمة لفرضية أن المنطقة تتجه إلى سياكس بيكو جديد، إلا أن مجريات الأمور تشير إلى عكس ذلك. فمنذ بدء الضربات الجوية الأمريكية على تنظيم الدولة "داعش"، تمدد التنظيم لمساحات أوسع بكثير عما كان عليه قبل بدء هذه الضربات، وأصبحنا نرى مقاتليه أكثر تدريباً وتسليحاً، وباتت فعاليتهم الإعلامية واضحة تماماً، على الرغم من مزاعم الرقابة الدقيقة على الإنترنت والأقمار الصناعية. نجاح وتمدد تنظيم الدول حفز آخرين إما لمبايعتهم أو الحذو حذوهم، وبات خطر هذه الحركات يدق أبواب عواصم المنطقة بعد أن فقدت مناعتها في أعقاب ما يسمى بالربيع العربي.
ورغم التشكيك الدائم في ظروف نشأة معظم هذه التنظيمات، وأهدافها الحقيقية (غير المعلنة)، والتحليلات الكثيرة التي أظهرت ملامحاً مريبة في أفعال هذه الحركات، إلاّ أن المنطقة تراها تنزلق لا إرادياً صوب نهاية يبدو أن آخرين قد رسموها، وبطبيعة الحال كان تشويه صورة الإسلام بشكل عام أهم إنجازات هذه الحركات، ناهيك عن الإساءة إلى وإضعاف دور مقاومة إسرائيل، التي بدأت تدخل ديناميكيات هذه المنطقة عبر بوابة هذه الحركات. فبعد أن ضمنت إسرائيل مناعتها عن أية آثار لصعود أولئك الفاعلين، بدأت تشبك علاقات على مستويين، الأول مع العديد من أنظمة المنطقة (التي تشابكت مصالحها معاً ولو من الناحية النظرية)، والثاني مع بعض هذه الحركات لخدمة مصالح إستراتيجية تزيد من حالة الشقاق في المنطقة وإضعاف القوى التقليدية العربية إضافة لإبعاد الأنظار عن إسرائيل وجرائمها.
وفي الختام يمكننا القول بأن اللقطات تكررت وتشابهت، في اليمن وفي ليبيا، في العراق وفي سوريا، دمرت بيوت، بل أحياء، لا بل بلدات، مسلحون مقنعون، وبعضهم ملتحون، يمتطون مركبات، يطلقون نيران كثيفة وصليات، صوب هدف غير موجود، ولكنها بكل تأكيد ستخترق جسد عربي آخر غير معروف، مخلفين أرقام جديدة من القتلى، من الثكلى، من اليتامى ومن لاجئين جدد، يبكون حاضرهم، يتحسرون على يومٍ جفف العرب فيه أنهار مجدهم، يوم وأدوا فيه عزتهم ونحروا فيه وحدتهم. ففي ليلة سوداء طالت حلكتها وضل في ظلمتها جميعنا السبيل، بدا وكأننا اليوم بحاجة أكثر من أي وقتٍ مضى إلى عمر مختار جديد، ليكون مثلاً أعلى لجيل عربي محبط حزين، لم ير سوى نكسات بعد نكبات وفرقة ينشدها عدونا البعيد... نحتاج لصلاح دين جديد، يوحد المتفرقين ويجمع المتشرذمين ويعيد مجد تليد، يوقف نزيف كرامة، ويضع حد لإهدار مقومات أمة، كانت ذات يوم أرقى منارة علم، وأعذب ينبوع حضارة عرفتها البشرية على مر السنين.
Fadi Elhusseini
 
Posts: 13
Joined: Thu Aug 01, 2013 11:53 pm


Return to Hot Issues/ قضايا ساخنة

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 2 guests

cron