المعارضة السورية بين تقليدية وهجينة

Current Affairs and hot topics.
أحداث جارية وقضايا ساخنة

Moderators: nihadsirees, Jihan, sahartawfiq, weamnamou

المعارضة السورية بين تقليدية وهجينة

Postby علي محمد » Wed Jul 04, 2012 9:30 am

المعارضة السورية بين تقليدية وهجينة
* علي محمد *



في آذار العام المنصرم وبرد فعل عفوي وسلمي، انتفض جيل شاب مطالبا بالحرية. وكان حرياً بالسلطة التعامل مع الحدث بصفته فرصة لمنع انتشار ورم فساد أنتجته بنيتها في جسد البلاد إلى حد لا ينفع فيه علاج. لكنها اختارت البطش بالمنتفضين، ومن استهداف خارجي تاريخي وراهن لسوريا، جهدت لصنع ثوب يستر ما انكشف من عوراتها. بدت وكأنها لم تدرك أن الزمن تحرك نحو جديد يتطلب التخلي عن العورات لا سترها، وأن التكيف السريع بات ضرورة. لاحقاً برز تناقض(ما زالت عالقة فيه) بين عقلها الذي تلمس ضرورة التكيف والإصلاح وجهر بذلك من جهة، وبين بنيتها التي تنتج طاقة فعل ممانعة للتكيف وللإصلاح من جهة ثانية. وكـان حرياً بالمعارضة التقليدية التي دفعت آلاف السنوات من أعمارها في السجون وتبنت السلمية والعلنية كناظم لسوكها ولأدواتها في صراعها مع السلطة، أن تتنفس بعمق لأن هناك من حرك العجلة، وأن تسهم في دفعها وتتعلم. لكن بطاركتها فضلوا عودة الشيخ إلى صباه، مستهلكين وقتهم في قرقرة حوارات الكواليس، واعتمدوا الصمت كموقف من اندفاعات واضحة لثقافة ولسلوك ميدانيين يناقضان السلمية والعلنية، وبدوا كأنهم يعتقدون بإمكانية فصل السلمية والعلنية عن المصداقية مع الإصرار على الإمساك بذلك الثالوث متحداً (إعلامياً)في قبضة يدهم في الوقت نفسه، رغم وعيهم(النظري) بأن افتقاد المصداقية على أرض الواقع يفقده ما يوحد اصطفاف المجتمع بكيف وكم فاعلين لانتقال يؤسس"لدولة مدنية ديمقراطية". تناقض يرجح أن محرضه ليس قول لينين:"خطوة للوراء من أجل خطوتين للأمام"، بل الهرب من ضغط القول المأثور:"رحم الله من عرف قدره فوقف عنده". وليس مرجحا أن يكون قد فاتهم كون الوعي الذي يصنع قرار الفرد واصطفافه هو ذلك الذي يجد طريقاً لتشكله في عقله، وأن النماذج المطروحة في الشــــارع الســـوري على العقلين الفردي والجمعي تحتوي ما هو مشظ للمجتمع، وأن اكتشاف وتصنيف ونقد ذلك هو من مسؤوليات من يسعى لمنح الديمقراطية ما يلزم لإقلاعها. ميدانيا لم تبذل المعارضة التقليدية جهداً مناسباً لصنع حتى حد أدنى من وعي جمعي يشبك الحدث بهدف مشترك، ويصفي عصارة الوعي من الشوائب. بل وتراجعت طاقة إنتاج عقد مجتمعي أمام ناظريها وهي تختال على حصان التكتيك السياسي، وتختبئ عن نظر المساءلة والمسؤولية خلف هرم فساد السلطة وقمعها. يوماً إثر يوم ضاقت فتحة عدسة بطاركتها المطلة على المجتمع، وخبا إحساسهم بكم ونوع مسؤولياتهم باستثناء ما تعلق بتلميع ريشهم. تحدث فريق من المعارضة عن بيئة مناسبة للحوار، صحيح أنه لم يحدد معالمها بدقة ووضوح. ربما لأنه كان يفتقد ذلك الوضوح كما افتقد دقة التمييز بين ما يوافر فرصاً أفضل للمتاح والممكن وبين ما يعيق تلك الفرص. لكن، وموضوعياً علم ذلك الطرح نقاطاً يمكن إن طرح الواقع ما من شأنه ربطها ببعض أن تضيء مساراً للحراك السياسي باتجاه موجب. كما علم اكتشاف عقل السلطة للتناقض بين بنيتها وبين ضرورة الإصلاح ومتطلباته نقاطاً يمكن إن ربطت ببعض أن تضيء مساراً للحراك السياسي باتجاه موجب. للأسف.. لا السلطة ولا المعارضة التقليدية التقطا فرصة التركيز على المسارات الموجبة المتاحة.
من الثغرات التي صنعتها السلطة والمعارضة التقليدية، عبرت مجموعات امتلكت موهبة تحوير المفاهيم وتدنيسها. مجموعات "بصبصت" باحثة عن وسائل تمكنها من استثمار بؤس السلطة والمعارضة، وعن طاقة تضع الثروة بيدها. ووجدت مفتاحاً لها في مؤسسات أجنبية كانت تبحث في كل بلدان المنطقة عمن توظفه بعد احتلال العراق لتسويق "الفوضى الخلاقة" وخدمة مشروع الشرق الأوسط الجديد. من آنية تلك المؤسسات، ، ولدت شركات سياسية خاصة على غرار شـــركات الأمن الخاصة ، اندلق منها أفراد ليبشروا بثقافة نفعية متوحشة استباحت العرف والتاريخ والجغرافيا مقابل مهر.
بديهي أن تكون الضحية الأولى "لقابيل" الجديد هذا، هي ذلك الجيل الذي انتفض سلمياً وليس الاستبداد، وأن تكون الثانية سوريا. للأسف تمكن هذا الهجين من تشويش الرؤية العامة، ومن سحب بعض البساط من تحت قدمي المعارضة التقليدية الهرمة، بل ومن استقطاب بعض منها.
انحسر الهتاف المطالب بالحرية، وغدا شعار إسقاط النظام - الذي لم يطرح في بداية الحراك- هو السائد. ومنطقياً يجب النظر لإسقاط النظام كمشروع يحتاج أسوة بأي مشروع هندسي لتعريف ولدفتر شروط ومذكرة حسابية وتدقيق موثق ولعقد تنفيذي ولإشراف. بداية كان هناك تأويلات مواربة (كالتي أطلقها الدكتور غليون بصفته نائباً لرئيس هيئة التنسيق ( سابقاً )، وناطقاً باسمها في الخارج)هدفت تضليل أجهزة استشعار السوريين المرهفة الحساسية ضد أي تدخل خارجي. لاحقاً حمل الشعار أكثر من تعريف، والخلاصة أنه ظل بلا تعريف دقيق، كما هو حال المصطلحات التي طرحتها حقب الاستبداد المديدة، وأعطيت بعد إنضاجها شكل نص مقدس اصطف مع أدوات سبقته في خط إعادة إنتاج الاستبداد. الخط الذي لا وجود في سلاسله الموروثة لجينات العقلانية والموضوعية وحرية التعبير، أو لنظم ومعايير تصوب مواصفات المنتج. قال غير منظر لقدسية الإسقاط: أن الشعب السوري هو من طرح إسقاط النظام، شاطباً من الواقع طيفاً واسعاً من شعب سوريا قال بعكس ذلك، وطيفاً آخر لم يجهر برأي واضح. ميدانياً انكشفت ثقافة لا تحترم الشعب أو المواطن.
واكب الانتقال من الحرية إلى الإسقاط، انتقال من مفردة "حراك" لوصف ما يشهده الشارع السوري، إلى "انتفاضة" ليستقر عند الثورة. أطلق غليون والحمصي وزيادة والعرعور وخدام واللاذقاني والقربي وجعارة وعيد ومناع والخير والعودات وكيلو وحسين وبدوية وكيله والشقفه وسالم وخير الله والحاج صالح والقضماني وحديدي وسيد رصاص ومنجونه وعبد العظيم .. الخ مع الاعتذار من بقية الأسماء؛ كلمة "الثورة" على ما تعيشه سوريا . هل يســـتقيم أن يكون ما يسميه المناع ثوره، هو نفس ذلك الذي يسميه زيادة ثوره؟!، والأمر نفسه لكيله مقابل الشقفة، والخير- اللاذقاني، ومنجونه-خدام، وسيد رصاص- القضماني، وحديدي- القربي، وغليون – خير الله ، وعبد العظيم- العرعور..الخ. وواكب تقديس الإسقاط، "قمع ثوري" أسهم في قمع الرأي والسؤال. فمن قال بوجود مؤامرة، اتهم بإعطاء المعذرة لمن قلع أظافر أطفال درعا. دفع المجتمع لرؤية أحادية كبغل مطمش، وبات الإسقاط هو المخلص الذي على الكل التسليم به من غير تساؤل عن كيف وبماذا وماذا بعد. أنتج كل ذلك ساتراً يستطيع حامله أن يخفي الكثير خلفه. وبعض من ذلك الكثير له علاقة وطيدة بمستقبل يراد له أن لا ينكشف لعقل السوريين ولضميرهم. من تساءل عن أدوات الإسقاط ومآله تحسباً من تجارب أُسقََِطَت فيها نظم مستبدة ولم يكن "مخلصاً" من اعتلى كرسي الحكم، بل مستبداً آخر. صنف خائناً للثورة، وقاتلاً للديمقراطية.
تحت خيمة الإسقاط والثورة تواجد حشد سياسي زخر بتناقضات حادة. ودار صراع حول الإرث: من يمثل شعب سوريا بغض النظر عن رأي الشعب. لضمان حيازة الإرث، اندفعت ثقافة الهجين لعسكرة ومذهبة العقل والضمير واللسان والشارع، ولتستدعي ما في الموروث من سواد، جاعلة الكذب فضيلة، والتعامل مع عدو تاريخي ضرورة قد تفرضها اللحظة الراهنة، وجهدت لتشويه وحرف مسار انتفاضة الشباب تمهيداً لوأد روحها. فبدعم من الحاضنة تضاءل تدريجياً حضور السلمي والمدني في الإعلام، وغُيِبَ من هتفوا بداية للحرية ولسوريا الشعب الواحد، وضد الاستبداد والطائفية والعرقية وكل أشكال التدخل الخارجي، وتمركز بطاركة الهجين في بقعة الضوء وفي مفاصل التحكم بمسارات الصراع، مستثمرين قمع السلطة الضاري للمجتمع.
ما فكك جزئيا خلال الفترة الماضية، كان فرصة حيازة عقد مجتمعي جامع. وذلك - موضوعياً- مسار ضد ديمقراطي، يفترض أنه كاف للإحساس بخطر داهم. غني عن البرهنة أن الفضاء الإعلامي العربي متخصص (تاريخياً) بحجب صوت المجتمعات العربية، وتمرير صوت بعض النخب. وغني عنها أيضاً خط أحمر، عمر حبره العربي والإسلامي أكثر من ألف عام . خط لحماية السلطة والنخب المعارضة من حراك شعبي سلمي قد يدفع الحكم ليد المجتمع.

ما كان لسياسي معارض، أن يطلق تعهدات(وليس وجهة نظر) متصرفاً بقضايا وطنية تاريخية، محاكياً سلوك مندوب سامي عين وصياً على شعب قاصر، لولا توافر بيئة حاضنة كتلك. وما كان له خلع ثوب تقية التزمت النخب العربية بارتدائه طويلاً لتخفي نظرتها إلى شعوبها كقاصرة. وما كان له أن يطلب العون من حكام ليبيا الذين نصبهم الناتو بمعونة طيارين إسرائيليين سبق أن قصفوا غزة وبيروت.
في ثقافة الهجين كل ذلك بات حلالاً. أحلته أطراف تقنعت بالديمقراطية والوسطية، مكتفية بتطهيره في حوض جرائم السلطة، ولم تنس أن تطهر جرائم المستعمر في الحوض نفسه. باتت جرائم السلطة قديمها وحديثها مطهراً لسياسات تتجر بالوطن، ولإعلام يدمر سلمه الأهلي، ولإجرام ميداني. نجح الهجين بتحويلها إلى سوق يستثمر فيها لصالح مشروع ولي أمره، معيقاً أية تسوية سياسية قد تنقذ البلاد والعباد. بات التعذيب والاعتقال والقتل مبرراً إذا تم تحت شعار إسقاط النظام المستبد الفاسد. يا لها من مقدمة لبناء سلطة ديمقراطية تحترم شرعة حقوق الإنسان.
باتت كل سوريا ملوثة بالدماء، وثمة قادة للمعارضة يقتصر دورهم على التحدث في عواصم العالم كممثلين للسوريين(كلهم أو بعضهم)، وعلى رفض فتح ممر للتسوية مع من أيديهم ملطخة بالدماء!!
أليست أيدي الأطراف الأجنبية الحاضنة لقسم كبير من أولئك القادة، ملطخة بدماء العرب والمسلمين والأفارقة والأسيويين والأمريكيين الجنوبيين(معدل ومستوى تشوه الولادات في الفلوجة يفوق تلك التي عرفتها هيروشيما).
أيها السادة في المعارضة.
خطابكم ذلك يعكس عنانة سياسية وأخلاقية، أكثر بكثير مما يعكس طهارة ما.
دمشق: 4-4-2012
علي محمد
 
Posts: 15
Joined: Thu Mar 03, 2011 9:07 pm


Return to Hot Issues/ قضايا ساخنة

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 3 guests

cron