رواية (رحلة ضياع)لديمة السمان في ندوة مقدسية

Share your opinion on any book you may have read.
هل قرأت كتابا أعجبك؟ أو لم يعجبك؟ ابعث لنا برأيك فى هذه الصفحة

Moderators: nihadsirees, Jihan, sahartawfiq, weamnamou

رواية (رحلة ضياع)لديمة السمان في ندوة مقدسية

Postby جميل السلحوت » Sat Jul 16, 2011 7:57 am

ديمة السمان ورواية(رحلة ضياع)
القدس: 14-7-2011 بحضور الروائية المقدسية المقدسية ديمة جمعة السمان، ناقشت ندوة اليوم السابع الدورية الأسبوعية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس، روايتها الأخيرة( رحلة ضياع) الصادرة في أواخر شهر حزيران 2011 عن منشورات دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس.
بدأ النقاش عماد الزغل فقال:
تمثّل قصة " رحلة ضياع" الروائية ديمة جمعة السمان نموذجا تقليديا للرواية الفلسطينية التي تتناول مأساة الشعب الفلسطيني في المنفى، بثوب من صراع القيم الاجتماعية بين تقديس التراث والقيم القديمة، والتمسك بأهداف العودة إلى الوطن السليب، وبين هجر عيشة المخيم وتناسي القضية من أساسها، والالتفاف إلى تحقيق الذات خارج الوطن، حيث الامتزاج بالمجتمع الجديد والانخراط فيه متنكرين للهوية الوطنية بقصد أو دون قصد.
الرواية كما هي قصة الشعب الفلسطيني تبدأ مع النكبة عام 1948 حيث التشرد والضياع، وربما كان هذا سبب تسمية الرواية بهذا الاسم، وتنتهي في العام 1982، حيث يبدأ الاجتياح الاسرائيلي للبنان لتصفية وجود منظمة التحرير الفلسطينية، فالفلسطيني في هذه الرواية أضاع وطنه، وأضاع قيمه وأضاع حتى أطفاله.
وقد اعتمدت الروائية على استرجاع الزمن، حيث بدأت منذ لحظة نهاية الرواية، بوصول العربيد وردّاد إلى بيت أحمد الزعفران.. متسلّلين عبر البحر إلى غزة، حيث فشلت عمليتهما بغرق المركب الذي أرادوا إيصاله إلى بيت الزعفران، تقصّ علينا الروائية روايتها بعكس عقارب الساعة، حيث لم يكن هناك صلة لهذين البطلين بأحداث الرواية الرئيسية، وهذا برأيي خلل .. فأبطال الرواية الحقيقيون استشهدوا في عمليات ضد الاحتلال.
وقد سيطر البحر على القصة من أولها إلى آخرها.. كمكان مجهول يذهب إليه الأبطال ، ويعودون أحيانا، وأحيانا كثيرة لا يعودون، وقد كان حضور البحر في القصة صاخبا، من أولها ؟إلى آخرها، الى درجة أنني أستطيع أن أسميها "رواية بحرية" بامتياز، وفي اعتقادي أن الكاتبة لجأت إلى البحر كمكان للرواية، لأنه يمثل المجهول الذي سار فيه المهاجرون من فلسطين إلى مستقبل مجهول.
والبحر إن مثل مصدرا لغذاء أبطال الرواية وبقائهم على قيد الحياة، إلا أنّه مثل عقبة في طريق استمرار حياتهم، فقد كان مصدرا للصراع بينهم، حيث رفضت صابرين حياة البحر والصيد بوصفه يمثل التاريخ البائس الذي لا تريد العودة إليه، فيما مثّل لنمر العبد وابنه فواز الماضي والتراث والرجولة ومصدر الحياة.
وقد ظهرت صورة الفلسطيني سلبية في بداية الرواية، فهو ضحية، عاجز عن صنع مستقبله، مستسلم لجبروت المحتل، لا يحسن سوى الزراعة والصيد، فرّ من أرضه دون مقاومة، وعندما فكّر في العودة إلى وطنه عاد فقط ليبحث عن بعض الذهب الذي دفنه أمام بيته، وتمثّل ذلك في شخصية " نمر العبد"، الذي تحوّل إلى تاجر مخدرات يعود إلى فلسطين فقط للاتجار بالمخدرات، وحتى الذهب الذي اشتراه عمران لزوجته في فلسطين كان ذهبا مزيفا.
وربما كانت هذه الصورة هي صورة جيل النكبة، وليست صورة جيل ما بعد النكبة، الذي تصدّى للمحتل، وساهم في نشوء منظمة التحرير الفلسطينية.
تفتقر الرواية إلى الرؤية المستقبلية للقضية الفلسطينية، فالروائية اعتمدت مأساة فلسطينية حدثت بين عامي 48-82، دون أن تضيء لنا أي بارقة أمل، وكأنها اقتطعت جزءا من تاريخ القضية والتحولات الاجتماعية في مجتمع الشتات دون أن تسلط أي ضوء على المستقبل ، وهذا ليس جيدا، فالروائية أجادت في تصوير الصراع، ولكنها لم تقد القاريء إلى خطة التنوير.
وإذا كان الأدب النسوي هو الذي ينحاز إلى المرأة في العمل الأدبي، فإن هذه الرواية تمثل الأدب النسوي في أبهى صوره، فقد مجّدت الكاتبة المرأة الفلسطينية بوصفها الصابرة على فراق الزوج، والتي لا تلاقي منه في النهاية سوى نكران الجميل والضرب بالسوط، كما في حالة صابرين، وهي التي تتحمل شظف العيش في المخيمات، وتبيع حليّها لأجل زوجها، وهي في نهاية الرواية المحبوبة التي تضحي من أجل حبيبها، وتؤثر اللحاق به شهيدة، على أن تتزوج من بعده.
وقد كانت الروائية تلجأ أحيانا إلى إحياء أبطال الرواية الموتى عبرحيلة فنية هي الرؤيا المنامية، حيث تكررت الرؤى المنامية في الرواية ثلاث مرات بهدف تغيير قناعات الشخصيات أو تثبيتها.
حضر التراث الفلسطيني والنص القرآني في كل صفحة من صفحات الرواية، وهذا مؤشر على أن الكاتبة ننمتع بثقافة فلسطينية أصيلة، حيث الأمثال الشعبية والأقوال المأثورة والآيات القرآنية التي تقوّي موقف الشخوص في الرواية وتؤيد أراءهم.
كان حضور الموت قويا في الرواية، ومؤشرا على وجوب التضحية والاستشهاد في سبيل الوطن، لكنها لم تجسد فكرة كيف نعيش من أجل الوطن، فلقد ذاب الانسان الفلسطيني في مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية في المنفى، وتعلق بفكرة خلاصه الفردي، وضاع الوطن في خلال ذلك، إلا بظهور الجيل الجديد الذي انضم إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ولكن هذا اللجوء جاء في القصة من منطلق اليأس من الحياة أحيانا، وليس من قبيل التجرد للتضحية من أجل الوطن.
وقال علي الجريري:
رحلة بحرية / عائد إلى البحر/عائد من البحر / انتظرني في عرض البحر / غابت مراكبنا //
تلك هي العناوين التي تسيطر على النص للروائية ديمة السمان ؛ وإذا كان لنا أن نقترح عنوانا لها في حال إخراجها فيلما أو عملا مسرحيا وهي تصلح بامتياز بعد إعادة تقوية أواصر قصصها الداخلية بحبكات أوثق بالنص والمضمون ؛ ومع اني لم المس للشخصية الروائية النامية والمحورية في العمل الروائي هنا بشكل ممتد رغم القص التاريخي ومحاولة حياكته بروعة خيالية منقطعة النظير عند الروائية الشاعرة ؛ ولو لم أكن اعرف الكاتبة لقلت إنها تعود إلى جيل الأفق الجديد الذي عاش وعايش المرحلة وتفاصيلها أو إنها تعود صياغة حكايات جدها عن تلك الفترة التاريخية بخوافيها وخوابيها ومخابيها ؛ مع التناقض بين المعلومة التاريخية في العمل الروائي وبين التاريخ الشفوي ، وأحيانا كنت اشعر أنني أمام السرد الروائي للمتشائل (ص 28 لا تستوعب عقولهم أن عكا قد انهارت واستسلمت ) ومع أن ما يدور من حديث عن عكا وكأنها باتت خرابا يقلل من أهمية صمود من تبقوا فيها فنساوي بين من هربوا او رحلوا او هجروا وبين من صمدوا وحافظوا على ما تبقى لهم فيها من هويتها العربية، فضلا عن كون هذا الخطاب يعزز الرواية التاريخية الإسرائيلية في حكاية استلامهم لهذا الخراب وهم من أعادوا الحياة إليها وهو على كل حال رأي ووجهة نظر قد تكون فيه الكاتبة محقة .
المكان : البحر الممتد من صور وصيدا حتى غزة ويوحد شرق المتوسط العربي بامتياز ؛رمزية مقصودة ام عفوية هو أمر في غاية الأهمية ، والبحر مثلما يمكن أن يشكل من ضياع شكل مصدر رزق وطوق نجاة جمع معه الشيء وضده كما في تدمير القارب ومنح صاحبه قاربا هدية عوض عنه وهو ما تجيب عنه الرواية (ص 75 )والبحر تصميم الرب العظيم وتتبعها في لغة المحسنات الشاعرية "اذهب إلى الجحيم "
موضوع الرواية في النص السابق عن البحر نظرة تعليمية غير متكاملة مع الإدراك أن الرواية ليس درسا في التاريخ أو الجغرافية ، وما يمنع ذلك كون الكاتبة متنوعة الثقافة والمهارات وطبيعة وظيفتها التربوية تمكنها من التكامل في الأهداف من النص لتقارب بين رواية تاريخية وجانب تربوي ، مثلما مست الجانب الاجتماعي مسا ملحوظا في مسالة الزواج من ابنة المخيم وما شابه ذلك دون أن تصل إلى تغليب الاجتماعي على التاريخي في هذه الراوية .
الزمان : ومع ذلك اشعر بضياع قصص أخرى من الرواية فهل هناك حكايات ضاعت أو سقطت سهوا أم اختصرتها الروائية ولم تأت بها لتشكل امتداد الزمن الروائي من فترات تاريخية انقطعت عنا فيها وهي تعلن اختصار الزمن علنا في قولها (ص 75 )"عشرون عاما قضيتموها في الصلاة والدعاء والتسبيح ليجمعكما الله معا والآن بعد أن جمعكما معا تزعجان الملائكة "
اللغة : بقدر ما تبهرني شاعرية السرد والحوار خاصة في الكثير من المواقف إلا أني كنت اشعر بقصائد تقحم في النص وتخاط ببراعة يصعب على المتابع ذلك وهي تغري بالنص في الاتجاه الذهب به إلى عمل سينمائي أو مسرحي بعد إعادة كتابة السيناريو الخاص بذلك
غير أني استغرب مع كل هذا التفوق اللغوي أن تقف عند كلمات تقطع النفس الانسيابي للقارئ في كلمات تخرج بصعوبة أو يتعثر فيها قارئ منسجم كقولها في النص السابق (ص 75 قضيتموها وتكرار الكلام بشكل لا يليق مع الجملة البلاغية هنا "بعد أن جمعكما معا " كان يجب الوقوف عند عبارة والآن تزعجان الملائكة . هذا الحشو الزائد من الكلام غير مبرر إطلاقا وهو كثير وليس بالقليل في هذه الرواية وكأن الوقت كان قصير جدا ولم تتمكن الكاتبة من إعادة تحرير الرواية وتهذيبها لغة وحبكة وانسجاما مع الشاعرية في كثير من النصوص الرائعة .

الشخوص : لم المس كثيرا بشخصية محورية للرواية الجماعية بمقدار ما لمست شخصية البحر والمراكب ،ولست من أنصار التخلص من شخصيات الرواية بالموت أو القتل بما أن العنوان يتحدث عن الضياع كان بالإمكان أن تترك مساحة للتأمل والتفكير حول مصير كل شخصية بان تترك مصيره غائبا تاركة مجالا للتشوق والانتظار فيما إذا كان الخبر سيأتي بموته أو ظهوره أو بقائه ضائعا وهذا ما اقترحه في حال تحويل النص إلى عمل سينمائي أو مسرحي أو حتى إعادة طباعة الرواية في طبعة ثانية
توظيف الأحلام : أمر في غاية الإبداع ؛ والأحلام التي مرت في الحكاية لمست فيها الواقع اللاشعوري والأكثر واقعية من اليقظة ذلك أن الروائية هنا تريد أن تقول لنا في الأحلام ما لم تقله مباشرة في الواقع ,و فيها قدر كبير من الاتصال والتواصل
المسؤولية الاجتماعية عن النص :
شاعرية النص : (ص 171)
"أنت من اخذ مني حبيبي / أرسلني إليه / دلني على الطريق / أرسلني في مهمة فالحياة في عيوني تضيق "
(ص 177 ) " أغمضت عينيها تصارحه /القلب له واحد / رداد لا يريدك / لكنني أريده "
هذه الشاعرية تأتي وفي عقلها الباطني العمل المسرحي او السينمائي وهو جميل جدا لو كانت الرواية كتبت على نسق واحد ومع ذلك تساعد في انقرائية النص وانسيابه .
ولست من أنصار إعادة تسجيل الواقع أو نسخه بتفاصيله ، إن لم يكن في ذلك هدف منه ، وما دامت الرواية تخضع للتحليق في الخيال في عالم الإبداع ؛ فليكن تهذيب المواقف بعض من هذا الخيال وصياغات نماذج أرقى في التعامل البشري أو على الأقل التخفيف من حدة سلبياتها التربوية كمشاهد ضرب المرأة والعنف الجسدي ؛ وكان يمكن تسجيل الاستغراب لمجرد التفكير بالضرب فالرواية ليست تسجيلية هنا ؛ وهذا ما يسمى اليوم في عالم الكتابة بالمسؤولية الاجتماعية عن النص
ومع هذا وذاك استمتعت كثيرا بالرواية والمشاركة وتمنياتي للصديقة الروائية ديمة السمان في أعمال قادمة ومبهرة



وقال جميل السلحوت:
ومعروف أن هذه الرواية هي الإصدار الروائي السابع لأديبتنا ديمة السمان.
رحلة ضياع: من يتابع أعمال ديمة جمعة السمان الأدبية لا يحتاج إلى كثير من الذكاء ليرى أن أديبتنا تمتلك خيالا خصبا بطريقة لافتة، وهذا الخيال جامح الى درجة تتخطى حدود المعقول في أحيان كثيرة، لكنه خيال محبب يحلق على أجنحة الواقع ليرسم لنا لوحات روائية لافتة.
وإذا كنت ديمة السمان تبغي كتابة شيء عن النكبة الفلسطينية في العام 1948في روايتها هذه، وما صاحب هذه النكبة من ضياع في مختلف المجالات، فان ضياع الوطن في تلك الفترة قد صاحبه ضياع يعقب ضياعا، خلال فترة الرواية التي تمتد من عام النكبة الأولى، إلى ما بعد الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982، وتمثل ذلك بضياع غالبية شخوص الرواية إن لم نقل جميعهم....فقد كانوا يتنقلون من ضياع إلى آخر حتى يغيبهم الموت...فنمر العبد ضاع في غياهب الأسر عشرين عاما، وهو يحاول إحضار الذهب الذي دفنه في حديقة منزله في عكا الذي ضاع هو الآخر جراء النكبة، ليضيع مرة أخرى في ما فرض عليه من تهريب المخدرات بين اسرائيل ولبنان، إلى أن يبتلعه البحر بعد تحطيم قاربه من قبل مستخدميه المهربين، وزوجته صابرين ضاعت في بحر التشرد عام 1948 ولاقت ما لاقته من عوز وحرمان كانا السبب في تغييب الموت لأبنائها، إلى أن ضاعت في لجة العمل عندما احترفت الخياطة، ولم يبق معها سوى"ابنها" فواز الذي التف عليها طفلا رضيعا مصادفة، ليكون هو الآخر ضمن حالة ضياع تتوجت بموته شهيدا مقاوما للغزو الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982....وشخوص الرواية فلسطينيون لجأوا الى لبنان عام نكبة الشعب الفلسطيني الأولى، وذاقوا مرارة الحياة في مخيمات اللجوء، فهل ضياع الوطن يقود الى ضياع آخر لا مخرج منه الا بالعودة الى الوطن الضائع؟....فمحفوظ سالم وزوجته أضاعا طفلتيهما التوأمين"جميله وفاطمة" تماما مثل فواز الذي أضاعه والداه....فوالده"بالتبني نمر العبد حرمه من الميراث بعد أن أوصى بتركته لصديقه عمران، ووالدته بالتبني"صابرين" حرمته من الزواج بزهرة ابنة عمران التي أحبها وأحبته، وعندما توفيت صابرين لم يستطع أن يرثها، فاستولت الدولة على تركتها كون الإبن بالتبني لا يرث، وليتواصل الضياع الى أن يسقط شهيدا عام 1982 في عملية مسلحة في تل أبيب.
ورداد بن عمران وصديقه العربيد يتحطم قاربهما الذي حمل الأسلحة الى قطاع غزة، وينجوان من الموت بأعجوبة، لكن الموت يطاردهما ليسقط رداد في العام 1982 شهيدا في قلعة الشقيف في لبنان.
إذن نحن أمام مسلسل ضياع، فما أن تدخل في حلقة ضياع إلى أن تخرج إلى أخرى، وضياع الوطن قاد إلى ضياع الجميع وإن اختلفت الأسباب.
الزمان والمكان:
تدور أحداث الرواية في مخيمات بيروت، صيدا، غزة، تل أبيب، وتمتد أحداثها من نكبة العام 1948 الى ما بعد الغزو الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982.
لكن الأحداث في الرواية لم تتطرق الى حرب العام 1967،وما بين العام 1948 و1982 وما كان فيهما من حروب وصراعات، وكأني بالكاتبة هنا أرادت أن تكرس عملها الروائي هذا على ضياع الوطن في النكبة الأولى، وما أعقبها من ضياع وتشتت للشعب الفلسطيني في أرض اللجوء.
الخيال: كتبت عن روايات الأديبة ديمة جمعة السمان السابقة ووصفت أديبتنا بأنها تملك خيالا مجنونا، ويبدو أن خيال أديبتنا جامح لا حدود له، وقد تجلى في (رحلة ضياع) أكثر مما تجلى في سابقاتها.
الحوار: اتكأت المؤلفة في أعمالها على الحوار كثيرا، لكنها هنا أطالت الحوار أيضا بشكل لافت، ولا أعلم إن كان ذلك في صالح العمل أم لا.
البحر في الرواية: يبدو أن أديبتنا مغرمة في البحر بشكل كبير، أو أنها وجدت في البحر هدفها الذي ترسم خيالها عليه وفيه، فالبحر وما دارت فيه من أحداث يشكل جزءا كبيرا من الرواية، فهو مكان المغامرات والمخاطر، وهو مصدر الرزق ، وهو قبر للرجال أيضا.
وقال محمد عليان:

هي رحلة طويلة تمتد عشرات السنوات من الضياع والشقاء والتشرد والغربة والتيه والضياع والفقر والجوع، ولفراغ السياسي والفكري والحلم بالعودة إلى الوطن الذي يبتعد كلما مرت السنون .. هذا ما يلاقيه شخوص رواية " رحلة الضياع " للكاتبة القديرة ديمة جمعة السمان ، الذين شردوا من الوطن وامضوا عشرات السنين بالبحث عنه في البحر والبر والسماء، ولم يجدوه، ولا نعرف متى سيجدونه . سؤال كبير تطرحه الكاتبة عبر شخوصها : هل ثمة بديل عن الوطن ؟ هم رحلوا رغما عنهم، انتزعوا من بيوتهم ومدنهم وأرضهم وبحرهم ومراكبهم وسمكهم، وسكنوا وطنا غير وطنهم وحاولوا عبثا التكيف مع الواقع الجديد، لم يتمكنوا من الاستقرار ولو للحظة، كان الماضي يشدهم بقوة إلى عكا والبحر والتاريخ، حاول نمر العبد نسيان الماضي لكنه لم يفلح في العيش معلقا بين الأرض والسماء، وانتهى به الأمر غرقا بعد تفجير قاربه على أيدي رجال العصابات، وكذا حال صابرين التي خلعت عنها ثياب اللجوء واقتربت من صفوة القوم في ارض اللجوء، وارتفعت ثم وقعت وخسرت كل شيء، وماتت كمدا وحسرة دون أن تحقق مرادها، وغادر فواز ارض اللجوء ليستشهد على ارض الوطن، وسرعان ما لحق به العربيد والرداد، ومن ثم خلود أما زهرة العاشقة الحالمة التي تبددت أحلامها بعد استشهاد حبيبها فواز، فقد قتلت والده الحقيقي وأودعت السجن . نهايات مأساوية لشخوص أرادتهم الكاتبة أنموذجا لقطاع واسع من الشعب، عاش في ارض اللجوء في ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة ولم يستطيعوا، وان أراد بعضهم ذلك أن يعيشوا كما لو كانوا في وطنهم مهما كانت حسن ضيافة الدول المضيفة .
تدور أحداث الرواية في معظمها حول مخيمات اللاجئين في لبنان ، في مرحلة تمتد من عام النكبة إلى ما بعد عام 1982 ، وإذا كانت المخيمات طوال هذه الفترة قد رفدت الثورة الفلسطينية بالفدائيين وكانت الحاضنة لكافة المنظمات الفلسطينية، فقد لاحظنا من أحداث الرواية أنها أفرزت أيضا الكثير من المشاكل الاجتماعية والتشوهات النفسية، بسبب الفقر والبطالة وتردي البنى التحتية والاعتماد على المعونات الدولية القليلة، وانعدام فرص العمل وعدم القدرة على الانخراط في المنظومة الاقتصادية في المجتمع المحلي. لقد عانى جميع شخوص الرواية من هذه التشوهات، وعاشوا التناقضات والصراعات وفوضى الحواس، وكأني بالكاتبة تقول انه لا حياة ولا مال ولا بحر خارج الوطن، حتى العشق في ارض الغربة مصيره الفشل، فالوطن هو العشق والحب والمال والجاه والعزة والكرامة ولا بديل عنه ويجب العودة إليه
وهذا ما أدركه فواز ومن بعده رداد والعربيد وخلود وحتى زهرة التي طلبت الانخراط في صفوف الفدائيين لتلحق بحبيبها فواز .
وإذا كانت الكاتبة تؤكد أن لا بديل عن الوطن، فان رسالتها هذه تكتسب في هذه الأيام أهمية خاصة، في الوقت الذي يحاول فيه البعض حل مشكلة اللاجئين من خلال حلول خلاقة تستبعد إمكانية العودة، وتستعيض عنها بالتعويضات أو بالتوطين في أماكن اللجوء. لقد رفض شخوص الرواية هذه الفكرة، ولم يقبل نمر العبد السكن في شقة فاخرة معلقة بين السماء والأرض، وعاش عمران وزوجته في علب الصفيح، وأمضى فواز العربيد ورداد حياتهم يصارعون أمواج البحر رافضين الانخراط في فوضى المدينة .
البطل في رواية رحلة الضياع هو اللاجئ الفلسطيني الذي يرفض التوطين، ويحلم بالعودة وهو فواز ونمر العبد وزهرة وحميدة ورداد وعمران، هؤلاء وغيرهم من شخوص الراوية الذين ما زالوا في رحلة ضياع وتيه لا نعرف متى ولكن حتما ستنتهي بالعودة .
ملاحظات لا بد منها
رغم سمو رسالتها وعمق فكرتها الا ان الرواية لم تخل من بعض الهفوات الفنية غير المبررة، خاصة وان الكاتبة غزيرة الإنتاج وروائية بامتياز :
1. الحوار : لقد احتلت مساحة الحوار بين الشخصيات مساحة كبيرة جدا من الرواية وكان ذلك على حساب السرد ووصف المكان والزمان وحتى الشخصيات
2. الشخوص : لم تول الكاتبة اهتماما بوصف الشخصيات من حيث الشكل الخارجي كما أنها ابتعدت كثيرا عن الولوج إلى داخل النفس البشرية لشخوص الرواية ورصد الانفعالات، وردود الأفعال إزاء مواقف مأساوية تعرضت لها. كما ان شخوص الرواية كانت جاهزة فكريا وسياسيا واجتماعيا، ولم تتطور وفقا لمنطق الحياة والاحداث، وبقيت كل شخصية متمترسة وراء مواقفها ورأيها حتى نهاية الرواية.
3. مواقف مأساوية : تطرقت الكاتبة الى بعض المواقف المأساوية وخاصة الموت بتسرع وبدون مسوغ فني مثل مقتل والد فواز الحقيقي على يد زهرة، وموت صابرين وحتى انفجار العبوة بين يدي العربيد، وحتى لو كان هذا مبررا في سياق احداث الرواية كان يجب التريث، وتهيئة القارئ لوقوع مثل هذا الحدث .
4. تجاهل أحداث هامة : تجري أحداث الرواية في فترة تمتد من عام 1947 وحتى 1982 تقريبا وخلال هذه الفترة وقعت أحداث هامة ومفصلية في حياة الشعب الفلسطيني مثل حرب حزيران، وحرب تشرين ومعركة الكرامة وغيرها ، والسؤال المطروح هو كيف أن هذه التطورات لم تحدث أي أثر فكري أو سياسي أو اجتماعي على شخوص الرواية الذين كانوا على ارض الواقع أكثر الفئات تأثرا منها ؟
5. التسرع والاختصار في الكثير من الأحداث : ربما بسبب توخي الاختصار والخوف من إطالة الرواية أو ربما بسبب الحوار الذي طغى على الرواية اختصرت الكاتبة الكثير من الأحداث، وتناولتها بشكل سريع أو عابر رغم أهميتها وأثرها على سياق الرواية وعلى سبيل المثال معركة الشاطئ ومعركة شقيف وغيرها. اعتقد أن جمالية هذه الملحمة تكمن في التفاصيل الدقيقة التي لم يتم التطرق إليها دون سبب .

رواية جديرة بالقراءة والنقاش وروائية مواظبة تتلمس هموم الناس وتعشق التاريخ والبحر وناشر مشكور على جهوده التي أثمرت عن نشر اكثر من عمل في فترة وجيزة.
وقال جمعة السمان:
أعطت ديمة السمان جميع عناصر الرواية حقها.. حتى بدت " رحلة ضياع" رواية على قمة مجدها.
قرأها كثيرون.. وسعد بها كثيرون.. إلا أن هناك ثلاثة كانوا أكثر الناس متعة وسعادة من الآخرين: شاعر ورسّام وحكيم.
ارتعشت ريشة الفنان.. واهتز قلم الشّاعر حين علا صوت البحار العربيد أنّات وجع وألم أمام بيت آل الزعفران: " بحار.. بحار يا سيدتي.. شتت النوّ سفني.. مزقت الريح شراعي..هدم الموج مركبي.. ابتلع اليمّ رفاقي.. الموت خلفي وحش يلاحقني".
وحين قال ادريس لأمه: انه صوت البحر يجلده الريح.. فتستغيث أمواجه.. هل تسمعين صوت عذابه يا أمي؟
تلاه خميس يؤكد على شدة العاصفة: " انها العاصفة .. ترمي الغيم في فم البحر.. تسقيه بعد أن حلقه خوفا من صوت الرعد ومنظر السفن.. يحرقها البرق على سطح مائه."
لا أظن أن مثل هذه الصور الأدبية .. لا تهز ريشة رسّام.. أو تحرّك عاطفة قلم شاعر.
أما الحكمة .. التي يطرب لها الفلاسفة والحكماء .. فهي موجودة بكثرة.. في كل مثل تردد في هذه الرواية.
كما أنها موجودة أيضا في كثير من أحداث الرواية.. مثلا: قال البحار نمر العبد لصديقه عمران: "العلاقة بين الوطن وأهله .. كالعلاقة بين الشمس والصباح.. لا صباح دون شمس .. ولا وطن دون أهل".
وفي حديث بين عمران ونمر العبد.. قال عمران: " البحر لا يقبل بعجائز مثلي ومثلك.. صارعته في شبابي فغلبته.. صبر عليّ صبر الحكماء.. فتح صدره يتحمّل في كل يوم ضربات مجذافي.. حتى شاخت يداي.. وبدأ يضربني بموجه العالي.. أغاظني.. طلبته للنزال.. وناديت على عزم الشباب فخذلني.. ضحك مني البحر وقال : يا شيخ.. هل ستأخذ زمنك وزمن غيرك"؟؟
وفي حديث آخر.. سأل البحار فواز يختبره : هل تعرف البحر يا ولدي؟ قال: البحر سر الله على الأرض.. لا يعرفه سوى الذي خلقه.. أصغيت إليه ليل نهار.. فعلمت أن الله وحده هو الذي يعرف لغة أمواجه.
ثم عاد يسأله: ما رأيك برزق البحر؟ قال: يوم عسر ويوم يسر.. ولا يغلب الدنيا إلا من رضي.
ثم عاد يسأل: كيف تغلب البحر يا ولدي؟ قال: أغلب البحر بالصبر يا عمي."
هذا بعض ما جاء من حكم في هذه الرواية.


المقارنة بين القديم والحديث في رواية رحلة ضياع:
أبدعت ديمة السمان.. حين قالت على لسان نمر العبد: السروال تراثي.. والطربوش على رأسي.. كرامة أبي وجدي.. وكرباج أبي سلطة أقوّم بها اعوجاج أهل بيتي".
الغزل :
غزل بكر ناعم رقيق عذريّ.. يثري النّص .. ليس فيه إباحيّة أو خدش للحياء.
الأحلام في الرواية:
خَلْق بديع جميل.. أساطير.. حكايات ألف ليلة وليلة.. حتى أنك تتمنى لو أن يطول حلم الكاتبة .. لتتمتع أكثر.. كما أنها كانت تتمشى مع سياق الرواية.. داعمة لها .. وتزيد من عنصر التشويق فيها.
المرأة في روايات ديمة السمان:
لا قدّر الله ولا سمح.. أن تصبح المرأة كما تصورها ديمة السمان في رواياتها.. وإلا تحققت أسطورة انقلاب الأوضاع.. وتغير المثل وتبدّل.. وأصبح ما يجيبها إلا نسوانها.
بداية الرواية كانت رائعة.. والنهاية كانت أبدع وأروع.. مفاجأة ما توقعها قاريء أبدا.
أبدع ما في الرواية:
- الحوار: ما قرأت حوارا لكاتب أجمل من حوار ديمة السمان.. فهو الأكثر جمالية ودعما وتشويقا.. فيه الاستفزاز.. فيه الحكمة.. فيه خفة الظل.. وفي النهاية يكون خادما للنص .. مؤديا للغرض.
- الصور الأدبية: لوحات جسّدت البطولة.. التضحية.. آية البحر.. آية القمروالنجوم.. التّيه والضياع والتشرد وعذاب الهجرة.. وصعوبة حياة المخيّم.

عنوان الرواية:
"رحلة ضياع" .. ما أصدق هذا العنوان.. كأنّه عنوان أحد آلهة الإغريق.. الذين اشتهروا بالحقد والشر والأذى.. يتسلّى بتعذيب رعاياه.. يعبث بهم حتى الموت.
وفي الختام.. لم تنته رواية ديمة السمان بانتهاء قراءتها.. فما زالت جمالية اللغة .. واللوحات الجميلة.. والحكمة المرشدة في الذاكرة.
وأخيرا وليس آخرا.. "رحلة ضياع" أضافت للمكتبة العربية رواية ذات رسالة.

وكتب الينا نصير الريماوي من رام الله:
أختنا الأديبة ديمة جمعة السمان

رواية تاريخية سياسية واقعية ملتزمة(تحفة أدبية)
لقد قرأت روايتك الجديدة التي تحمل عنوان "رحلة ضياع" الصادرة عن دار الجندي للنشر والتوزيع المكونة من(189) صفحة من القطع المتوسط. والتي تتحدث عن نكبة شعبنا الفلسطيني وتشريده من أرضه.
استطيع القول أنك بهذا الجهد المشكور والكبير استطعت تصوير واقع التشرد الفلسطيني وتهجير شعبنا في جميع أصقاع العالم بسبب الاحتلال الصهيوني، والمؤامرة العالمية عليه أجمل تصوير.
وقد جسّدت صورك الأدبية في هذه الرواية القيّمة هذا الواقع المؤلم الذي لا زال مستمراً لغاية الآن، ونقلت للقراء حقيقة ما جرى للإنسان الفلسطيني من خلال أسلوبك السردي المشوق الذي تعودنا عليه.
كما كشفت روايتك أيضا حالة الضياع التي عاشها الإنسان الفلسطيني بعد النكبة، وما تلاها من مآسي ولا زال يعيشها، وكفاحه من أجل حقوقه المشروعة حتى لا يختفي عن الخارطة السياسية العالمية، ومن أجل أن تبقى قضيتنا حية.
وبرأيي أن روايتك تندرج ضمن الروايات التاريخية السياسية الواقعية الملتزمة التي تحمل الهمّ الفلسطيني خلال فترات تاريخية متتالية يمر بها، وقد عرضها الرواية في قالب أدبي ينبض بالروعة وسعة الخيال.
وما أجمل ما ختمت به الرواية "نموت معا أو نحيا معا" هكذا يجب أن يكون حال كل شعب مقاوم من أجل الانعتاق من الاستعمار والاحتلال.
واقترح ترجمة هذه الرواية إلى اللغات الأجنبية إن أمكن لتعريف العالم بمعاناة شعبنا وبالأدب الفلسطيني الواقعي والملتزم.
وجرى نقاش مطول شارك فيه كل من رفعت زيتون، نزهة أبو غوش، رفيقة عثمان، ابراهيم جوهر وسمير الجندي.
جميل السلحوت
 
Posts: 290
Joined: Sat Jan 24, 2009 2:30 pm


Return to Book Discussion/ رأي في كتاب

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 1 guest

cron