الملك الوجه .. محسن يونس وسرده الفلسفي

Share your opinion on any book you may have read.
هل قرأت كتابا أعجبك؟ أو لم يعجبك؟ ابعث لنا برأيك فى هذه الصفحة

Moderators: nihadsirees, Jihan, sahartawfiq, weamnamou

الملك الوجه .. محسن يونس وسرده الفلسفي

Postby ayman_asmr » Mon Mar 03, 2014 7:33 pm

في روايته "الملك الوجه" يخاطب كاتبنا محسن يونس قارئه في مفتتح الرواية ويصدر خطابه بمقولة لابن خلدون عن أحوال الحاكم مع شعبه وخوفه على ملكه، ويمهد محسن يونس لقارئه الأمر فهو يعلم أن روايته تحتاج إلى قارئ مثابر صبور يجهد عقله قبل عينيه لفك تأويلات السرد والأسئلة الفلسفية التي تلح الرواية على قارئها أن يواجهها, وقد يكون هذا التمهيد ـ من وجهة نظري ـ زائدا ولا حاجة إليه، فقد كان بإمكان محسن يونس أن يدلف مباشرة إلى فصوله الخمسة ـ التي أسماها صحراوات ـ ونهاياته الأربع، ولكنه أصر على ما يبدو أن يواجه قارئه بحقيقة ما هو مقدم عليه مبكرا.
شيد محسن يونس الرواية على أساس صراع متكافئ بين السرد والفلسفة، فضلا عن صراع آخر جانبي بين الخيال والواقع، وإذا كنا قد عرفنا محسن يونس كاتبا واقعيا ـ بدرجة ما ـ من خلال أعمال مثل "بيت الخلفة" وغيرها، إلا أن محسن يونس في كتاباته الأخيرة ـ خصوصا الروائية منها ـ بات يجنح كثيرا إلى خلط واقعيته بالكثير من الفانتازيا، وأظن أنه قد بلغ ذروة نجاحه في تلك الرواية التي نتناولها من خلال هذه القراءة المتواضعة.
ويمكننا أن نتتبع هنا حكايتين، حكاية الملك والملكة والحكماء المائة ورجال البلاط بمن فيهم من مساحين وجغرافيين وطيور "السامورنيس" العملاقة في مملكة الرمال، وهو ملك عجيب لمملكة أكثر عجبا، فهي مملكة لا توجد إلا في الخيال ـ خيال محسن يونس ربما ـ أو خيال القراء، لكنها في حقيقة الأمر مملكة واقعية رغم كل ما يحيط بها من شطط في الخيال، وهي مملكة افتراضية لا خريطة ولا حدود لها .. ولا مكان ولا زمان، وهنا تكمن أزمتها وأزمة الملك، فالملك في حالة بحث دائم عن خريطة وحدود ثابتة واضحة للمملكة، يرسل البعثة تلو البعثة لتحقيق هذا الهدف المراوغ، فتضيع البعثات تباعا بسبب خدعة الرمال، كما أنه أيضا ملك غريب الأطوار والخلقة، يطالعنا في بداية الرواية بوجه له عين واحدة وأنف قبيح وأذنا فيل، ثم مع تنامي الأحداث يتحول إلى ملك بلا وجه، حقيقة أو مجازا .. لا يهم فالأمر كله يعتمد كما قلنا على تأويلات السرد وأسئلة الفلسفة، أما عن أحواله مع الملكة فيكفينا وصف أحد الحكماء لها "تلك الملكة الحسية والتي لا تشيخ أبدا .."، ثم نتابعه وهو يتخلص من الحكماء واحدا تلو الآخر بطرق مختلفة عندما يمل منهم أو يغضب عليهم.
تتقاطع حكاية الملك والمملكة هذه مع حكاية ثانية هي حكاية "صفوت البرناني" وتابعه "غباشي"، وهي على عكس حكاية الملك والمملكة التي لا مكان لها ولا حدود ولا زمان، حكاية من واقع أحوال مصر في السنوات الأخيرة، تحكي قصة نعرفها جيدا عن صعود أمثال "صفوت البرناني" في زمن الانفتاح ليصبح واحدا من كبار رجال الأعمال في مصر، وما يتبعه ذلك من طموحات سياسية وشبكة من العلاقات والشركات جعلت منه ملكا على مملكة أكثر تعقيدا من مملكة الرمال.
أما الصراع بين السرد والفلسفة فهو الذي أعطى لهذه الرواية طابعا خاصا، فالرواية بشكل أو بآخر تعيد طرح الأسئلة الفلسفية الكبرى، مثل البحث في الوجود وقوانينه، والبحث في المعرفة الإنسانية وطبيعتها، والموازنة بين الحواس والعقل والحدس كوسائل للمعرفة، والبحث في القيم، قيم الحق والخير والجمال، وغير ذلك من الأسئلة الفلسفية القديمة والمستحدثة.
وتفتح الرواية للقارئ المثابر الصبور أبوابا لا تنتهي من التأويلات لمتن النص بصحراواته الخمس ونهاياته الأربع، فالأصل أن لعبة التأويل السردي تتعدد بتعدد واختلاف القراء زمانا ومكانا ومعرفة .. الخ، ويتضاعف هذا التعدد في حالة روايتنا هذه، فهي ليست سردا بسيطا مسطحا ولكنها سرد عميق حمال أوجه، ألم يقل علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن القرآن الكريم نفسه حمال أوجه؟
ومن التقنيات التي استخدمها محسن يونس ضمن متن النص أن يزود القارئ بمعلومات معرفية عن موضوع ما، مثل معلومات عن المسح الجيوديسي وكيفية أداء المساحين لأعمالهم، أو عقاب زيوس لبرومثيوس بسبب نقله سر النار إلى البشر، أو معلومات عن العلاقة بين العين والمخ والاتصال بينهما عن طريق العصب البصري، أو حتى معلومات عن أقنعة الوجه التي تصنعها الملكة ـ والنساء عامة ـ للمحافظة على نضارة وجوههن.
اقتضى كل ما سبق أن يستخدم الكاتب لغة خاصة تتناسب مع هذا القدر من التأويلات السردية والأسئلة الفلسفية التي تمتلئ بها الرواية، وهي لغة قد لا تكون مناسبة للقارئ الذي يبحث عن شيء سهل ليقرأه، وقد أشرنا سابقا أن هذه الرواية تحتاج إلى قارئ يملك قدرا معقولا من الوعي والمعرفة فضلا عن الصبر والمثابرة، ومع ذلك فهناك لغة أخري أبسط تظهر عند التعرض لحكاية "صفوت البرناني" وتابعه "غباشي" وحواراتهما معا.
وتتصاعد أحداث الرواية وتتشابك خيوطها فيتقاطع الواقعي مع الفانتازي ويحتدم الصراع بين تأويلات السرد وأسئلة الفلسفة ، فيسلمنا محسن يونس إلى أربع نهايات كما صارحنا في مفتتح الرواية الذي أشرنا إليه سابقا، وقد لا تكون كل النهايات على مستوى واحد من الإتقان والملاءمة للمتن الأصلي، إلا أنها رؤية الكاتب وإصراره على ممارسة لعبة السرد والفلسفة حتى نقطة النهاية، استوقفني شخصيا نهايتان، الأولى تحمل اسم "النهاية كما كان يعد لها الملك نفسه"، والثانية تحمل ببساطة اسم "النهاية" ويستعين فيها محسن يونس بمقطع من قصيدة للشاعر أسامة البنا يختتم بها الرواية، وأرى أنهما معا يشكلان نهاية واحدة مترابطة قد تجيب بشكل ما على بعض التأويلات والأسئلة التي طرحتها الرواية.
وبعد، يجب أن أقر أن هذه السطور القليلة ليست سوى قراءة شخصية بسيطة لرواية غير بسيطة، فرضتها رؤيتي المتواضعة لما قرأته، ولا أملك بالطبع أن أحجر على أحد، فلكل قارئ الحق الكامل في أن يمارس مع محسن يونس لعبة تأويلات السرد وأسئلة الفلسفة إلى حيث يأخذه عقله، ويقوده نصيبه من الوعي والمعرفة.

أيمن مصطفى الأسمر
جريدة-مسرحنا العدد 346-الاثنين 03/03/2014

ayman_asmr
 
Posts: 64
Joined: Mon Nov 10, 2008 3:59 pm


Return to Book Discussion/ رأي في كتاب

Who is online

Users browsing this forum: Google [Bot] and 1 guest

cron