رواية وراء الفردوس لمنصورة عز الدين

Share your opinion on any book you may have read.
هل قرأت كتابا أعجبك؟ أو لم يعجبك؟ ابعث لنا برأيك فى هذه الصفحة

Moderators: nihadsirees, Jihan, sahartawfiq, weamnamou

رواية وراء الفردوس لمنصورة عز الدين

Postby editor » Fri Jun 22, 2012 10:04 am

ما تسترجعه الذاكرة

جريدة الحياة
الثلاثاء, 25 أغسطس 2009
فيصل درّاج


كيف تكتب الذاكرة عما لا يسيطر عليه؟ وهل يستطيع المتمرّد المغترب أن يتصالح مع ذاته وأن يتحرر، بعد مساءلة الذات والماضي، من أزمنة لم يخترها؟ وهل في الكتابة الروائية ما يعطي الوجود شكلاً، أم أن سديماً لا يروّض يجابه الكتابة ويتركها ناقصة؟ هذه هي بعض أسئلة رواية واضحة الاجتهاد كتبتها منصورة عز الدين، وأعطتها عنواناً ملتبساً واسع الإيحاء: وراء الفردوس. أقامت الروائية المصرية عملها على المفكك والمجزوء والمتناثر، وعلى وقائع يخترقها الانفصال، تعترف بالواقع وتضيف إليه ما ليس منه، وتعتبر ما يستيقظ في الروح من الهواجس والأوهام واقعاً آخر، أكثر صلابة من الواقع المعيش وأعمق دلالة. حاورت الروائية ذاكرة هاربة، بصيغة الجمع، وأوكلت إلى الكتابة تنظيم ما يستعصي على التنظيم، متوسلة سرداً دائرياً، تجاور بدايته ونهايته، ويساكن الغائب والمحذوف فيه الحاضر وما يبدو محدداً واضح المعالم. صاغت من هذا كله سؤالاً عن «غبش الوجود»، عمّا لا يرى إلا في آثاره الموجعة، وتركت الجواب معلقاً في الفضاء، يشهد على اغتراب إنساني لا خروج منه.

تنفتح «وراء الفردوس» (دار العين – 2009) على مشهد كابوسي، عناصره صندوق من الذكريات والأوراق المورثة وحر قائظ وثعبان أسود وفأر رمادي سمين وحرباء مشاكسة ولهب متطاول يكاد يمسك بأطراف امرأة غاضبة أحرقت الصندوق وما فيه، «كي تبدأ من جديد بروح شابة وذكريات أقل ألماً». يجسّد الصندوق «زمناً عائلياً» بعيداً ومحاولة انفصال يائسة عن الموروث العائلي الذي لا انفصال عنه. يبدو التحرر من الموروث فعلاً نافلاً مسكوناً بالمفارقة، فالمرأة التي ترغب به جاوزت الثلاثين، ذلك العمر المتكلّس الذي رسبت فيه طفولة بعيدة لا سبيل إلى التحرّر منها، وذاكرة المرأة مزّقتها الصدمات وعنف الحياة الذي لا يرحم أبداً. ولهذا تحرق المرأة الغاضبة يديها ويظل الصندوق، بالمعنى المجازي، سليماً، تعبيراً عن عجز الإنسان عن أن يعود جديداً، ذلك أن الجديد الكلي لا يأتي به إلا الموت. ولذلك تنغلق الرواية على امرأة مكسورة الساق، فما حاولته أصابها بعطب جديد، وبأطياف عانس بلهاء مقيدة إلى جنزير غليظ الصوت، كانت المرأة الغاضبة، المشطورة الذاكرة، قد عرفتها عن قرب في أيام الطفولة.

تأملت الساردة، المهجوسة بزمن يرحل ولا يرحل، دلالات الانفصال، الذي يجبر الإنسان على ابتعاد نهائي عن بشر رحلوا، ولا يتيح له أن ينفصل عما عاشه، قريباً له طعم القش كان، أو موغلاً في البعد صاحب طفولة مؤرقة. ولهذا يكون للانفصال، في الرواية، إيقاع ثابت: ينفصل الزوج عن زوجته والفتاة عن أبيها والفتاة العاشقة عن عائلتها والصياد الشاب عن والده والأسرة عن بيتها القديم، وتنفصل المتمرّدة المعذبة عن ذاكرتها. وللانفصال أشكال، فهو يحتمل الموت المفاجئ والموت غرقاً والهرب والطلاق والانتحار وعدم التفاهم وذلك الموت الذي تقضي الشيخوخة.. ولهذا الانفصال آثاره الموجعة، فهو يجبر الذاكرة على إعادة بناء ما كان من جديد، وهو يملي عليها أن تعيد قراءته وتحليله، وقد يقودها إلى الانهيار إن كان للراحل منزلة خاصة.

جمع الخطاب الروائي عناصره من مواضيع عدة: عتمة الزمن الطفولي، أو عتمة الوجود، التي تنطوي على عوالم متعددة، تطلق الأحلام والأوهام والرؤى والكوابيس، وتنطوي أيضاً على ألوان متعددة متنوعة، تجمع بين الفردوس والجحيم، ذلك أن الفردوس هو بهجة الألوان، بعيداً عن جحيم أحادي اللون، أحمر يميل إلى السواد كان، أو أسود يخالطه شيء من الحمرة. وإضافة إلى فردوس مفقود يجاور الجحيم، يقف زمن راكد بليد، كما تقول الرواية، حيث المجتمع المصري في العقود الأخيرة، يومه كأمسه وأمسه مريض قاحل لا جديد فيه. ربطت الساردة بين الزمنين المتصلين والمنفصلين معاً، بزمن ثالث أقرب إلى المجاز هو: «الإعاقة الداخلية» التي تلازم الإنسان عابرة كل الأزمنة، الصادرة عن طفولة متعددة الوجوه، كان فيها البيت الهادئ المزنّر بالأشجار المثمرة وعاشقة محي اسمها انتهت إلى الانتحار، وعانس بلهاء قيّدت ساقها إلى جنزير ثقيل. غير أن الأزمنة، المتصلة والمنفصلة، لا تحجب سؤال الرؤية الأساسي: ماذا يفعل الإنسان المغترب ذو الروح المتطهرة في زمن موحل بليد، وهل يستطيع تمرده المتواتر أن يحرره من «عقوبة الماضي»، التي زرعت فيه إعاقة داخلية متناتجة؟ لا شيء إلا السرد المفكك، ولا شيء إلا هذيان أقرب إلى الحكمة، يواجه الزمن الاجتماعي الراكد بزمن داخلي متدفق متوتر جارف حارق يأخذ شكل المرض. أنتجت الرواية، بهذا المعنى، خطابها مرتين: مرة أولى بإشارات سريعة إلى ماضٍ مثقل بالقيود وإلى حاضر أقرب إلى الجثة، ومرة ثانية، وهي أعمق دلالة وأكثر إحكاماً، بتقنية أدبية لامعة عناوينها التفكك والتشظي والتناثر، كما لو كان في جمالية الكتابة الروائية ما يردّ على زمن اجتماعي راكد يورّث الإعاقة والتبلّد. اتكأت منصورة عز الدين على تقنية فنية خصيبة، وأحسنت استعمالها، منتهية إلى نص روائي يتاخم الفلسفة، وإلى رؤية عميقة واسعة عثرت على بنية روائية معقدة تلبي ما تريد.
أكثر من التباس مثمر أنتج عملاً روائياً يثير الفضول: الروائي العليم الذي يعير ذاكرته إلى الساردة ليضبط ما يجب ضبطه، ويستعير منها ذاكرة مرهقة تبحث عن فردوس لا يوجد في مكانه، يأتي من «إغماضة العين» ويتلاشى حين يصطدم النظر بالواقع. وهناك النص الحاضر ـ الغائب الذي يربط، زمنياً، بين العقد الأخير من حياة المجتمع المصري والزمن الراهن، ذلك أن هذا العقد لا يطفو في الكتابة إلا ليغيب، ويرى في آثاره ولا يبدو واضحاً في سيرة ذاتية منقوصة ومفككة. أما الالتباس الثالث فيحيل على اغتراب لا زمن له، يتراءى في ماض أعطب الحاضر حيناً، ويصدر عن حاضر شوّه الماضي حيناً آخر. إنه الالتباس المثمر، الذي يعطي نصاً قلق الأسئلة، ولا يسعف القارئ في العثور على جواب أخير.

ما هو ذلك المكان الذي يدعى: «وراء الفردوس»؟ قد يكون عالم السكينة المشتهاة، أو عالم العزلة المحرّر من الأصوات البليدة، أوعالم الألوان البهيجة الذي يزور الروح لحظة ويتلاشى في لحظة لاحقة، مقسماً الفردوس إلى لحظات مفاجئة متفرقة، تبهج الروح وتعود إلى فضاء لا حدود له.
editor
 
Posts: 83
Joined: Fri Nov 07, 2008 9:26 am


Re: رواية وراء الفردوس لمنصورة عز الدين

Postby editor » Fri Jun 22, 2012 10:08 am

وراء الفردوس' للمصرية منصورة عز الدين: أساطير العائلة تعيد الابنة إلى الريف

ناظم السيد
بيروت- 'القدس العربي':

بعكس الحيّز المكاني الذي جرت وتجري فيه الرواية الحديثة في غالبية نماذجها، فإنَّ منصورة عز الدين ذهبت بروايتها إلى الريف مباشرة. لم ترصد الروائية هجرات الريفيين إلى المدن، تلك الهجرات التي شغلت الرواية والسينما في مصر منذ 'ثورة يوليو' إلى اليوم، بل ذهبت إلى الريف لرصد حياة الناس قبل خروجهم من هذا الريف، قبل احتكاكهم أصلاً بالمدينة. حتى الأبناء الذين ذهبوا للعيش في القاهرة أو طنطا، والذين يشكلون شخصيات محورية في هذه الرواية، لا يتم رصد حياتهم في هذه المدن. تكتفي الروائية من حياة هؤلاء بذلك الجانب الذي يوقظه الريف، أي رصد حياة الطفولة لهؤلاء أو حركاتهم حين يزورون الأهل في مسقط الرأس والمكان الأول للاصطدام بالعالم.
لكن الريف كمكان تجري فيه أحداث الرواية، لا يجعل من هذه الرواية رواية ريفية، لا يضعها ضمن الأدب الذي اشتغل على الريف كقيمة في طريقها إلى الزوال كما في النماذج اللبنانية من مارون عبود إلى ميخائيل نعيمة إلى أنيس فريحة وإميلي نصر الله (أعطي نماذج لبنانية لأن اطلاعي عليها أوسع من التجارب المصرية أو غيرها من التجارب العربية، ولأن الرواية الريفية اللبنانية تشكل مفصلاً اساسياً في الرواية العربية تماماً كالشعر اللبناني الذي استلهم الريف كنوع من الحنين كما لدى شعراء الهجر، وصولاً إلى نتاج الأخوين منصور وعاصي الرحباني على صعيدي الغناء والمسرح). لا، الريف هنا مجرّد ذريعة للسرد، حجة لقول حكاية وتأليف حبكة.
إنه وسيلة القص وليس غايته كما سبقت الإشارة في الأعمال التي جعلت من الريف أيقونة وفردوساً مفقوداً وفكرة عذراء. ما يدلل على أن الريف هنا مجرّد مكان للقص هو أن الحدث الروائي ليس الريف وقيمه الجمالية والطبيعية والأخلاقية والحياتية عموماً، وإنما العائلة التي يجري رصد مصائرها فرداً فرداً من الآباء إلى البنين. العائلة بوصفها حدث الرواية تخرج هذا العمل من تصنيف الرواية على أنها ريفية ولا سيما أن السرد غالباً ما تركز على هذه العائلة وأفرادها كأن السرد يجري في الداخل من غير أن يقيم شأناً كبيراً للبيئة المحيطة إلا ما لزم أو صعب تجاهله (انتحار لولا مثلاً خالة البطلة سلمى بسبب حملها من دون زواج).

سلالة ومصائر

إذاً، تعيد منصورة عز الدين في 'وراء الفردوس' تأليف حياة عائلية تفرقت بالزواج والإنجاب ومشاغل الحياة والعمل وتبديل أماكن العيش وتراكم الزمن. من السهل القول إنها سيرة ذاتية تعيد فيها المؤلفة سرد حياة عائلتها. لكن سهولة كهذه يجب ألا تغري الناقد أو القارئ في ظل غياب معطيات حياتية عن المؤلفة. لهذا من الأسلم تناول الرواية على أنها عمل متخيل مستقل عن حياة الكاتبة حتى لو تقاطعت أحداث معينة مع حياة الكاتبة، غير غافلين عن عبارة فلوبير الشهيرة 'مدام بوفاري هي أنا'، مقابلينها بشغل رولان بارت على الشخصية الروائية، معتبراً أن 'الكائن في الرواية هو كائن نصي'. والحال، فإن عز الدين تسرد سيرة عائلة من خلال سلمى ابنة رشيد التي تزور بيت أهلها لتبدأ عملية مراجعة لتاريخ العائلة، من العم جابر الذي بنى مع والدها مصنعاً للطوب الأحمر، قبل أن تقرر الحكومة إغلاق مثل هذه المصانع، فأبدله بمصنع للطوب الطفلي، والعم سميح المشكوك في نسبه إلى أبيه بحسب ما توحي الرواية، وهو الأقل ثروة بين أشقائه، والعمة نظلة التي تزوجت ولم تفقد بكارتها فعادت إلى بيت أهلها لتمضي بقية حياتها في بيت شقيقها رشيد عاشق الشرب والنساء والإسراف واللهو، والخالة لولا التي حبلت من شخص مجهول وانتحرت بالزرنيخ، وصولاً إلى حكمت طليقة العم جابر الذي تزوج بدلاً منها بشرى زوجة خادمه صابر الذي قضى في معمل الطوب (إضافة إلى الجدة رحمة، والخالة أنوار، والخال مصطفى الذي تزوج من امرأة ثرية تدعى نهاد تخجل من حياة الريفيين، وظيا زوج البطلة سلمى وطليقها لاحقاً وهو بريطاني من أصل باكستاني). ثم هناك الجيل الثاني من العائلة أي هيام أخت سلمى التي تزوجت رجلاً يعمل في قطر ولبست العباءة، وخالد شقيق سلمى الذي راح يميل للتدين كرد فعل على سلوك والده، وأنوار الشقيقة التي تحضر في الرواية بلا أي صفة أو حياة، وهشام ابن العم جابر والذي نام مع جميلة صديقة سلمى منذ الطفولة وقرينتها إذا صحَّ الوصف، والتي تشكل مع سلمى بطلتي الرواية، سلمى التي تلعب دور حافظة الأحداث وراويتها ومؤولتها وحاملتها على معانيها المتعددة، وجميلة ابنة الخادمة بشرى (زوجة العم جابر لاحقاً) والخادم صابر الذي تمزق لحمه في مصنع الطوب. تلعب جميلة دور البطلة الظل. إنها ضمير سلمى وصوتها الباطني وهاجسها ومطاردتها ومحتلة الجزء العميق من لاوعيها.

تقصّي الأحلام

توظف سلمى في 'وراء الفردوس' الأحلام كمادة روائية أساسية. نحن أمام شخصيات تحلم وتعيش أحلامها ثم تحلم بما عاشته حقيقة. الحلم هنا مادة السرد وذخيرته. لهذا يتوسّع عالم الحلم في الرواية ليشمل الخرافات والأساطير الريفية من أرواح وجن، كما يشمل أغاني شعبية يرددها الصغار عادة، من غير إهمال علم النفس الذي يحضر من خلال جلسات العلاج التي خضعت لها سلمى لدى طبيبة مختصة. سنكتشف مع توالي السرد أننا أمام عالم يختلط فيه الواقع بالحلم. سيظلُّ هذا الاختلاط يتنامى ليبلغ أخيراً ذروته: هل فعلاً ما جرى كان يجري حقيقة أم أنه مجرّد تهويمات تحدث في رأس البطلة سلمى. إن استخدام الحلم والأساطير والحكايات وعلم النفس في الرواية شكلت أقنعة وأدوات أتاحت للروائية التأليف والإنشاء بدل الأرشفة والتوثيق. أتاحت لها إجراء هذه المسافة عن الواقع.
قد تكون 'وراء الفردوس' من الأعمال الروائية القليلة التي تنتجها امرأة من غير أن تخضع لهذا الشرط. ليس في الرواية تلك الأنا النسوية التي تشكل عادة بؤرة السرد ووسيلته وغايته. ليس هناك أيديولوجيا نسوية تتصدّر العمل الأدبي وتعميه أحياناً. لا يعني هذا أن المرأة ليست حاضرة كقيمة اجتماعية أو إنسانية. بالعكس. لكن حضوراً كهذا لا يختلف كثيراً عن حضور الرجل. مثلاً، انتحار الخالة لولا لا يختلف كثيراً عن موت الخادم صابر، وتديّن الشقيقة هيام لا يختلف عن تديّن الشقيق خالد، وتخلي هشام لا يختلف عن تخلي جميلة. هكذا فإن الحياة تقسّم حوادثها على الذكور والإناث بالتساوي، بعيداً عن موقع الرجل وموقع المرأة في مجتمع شرقي وريفي أيضاً.
كذلك تلفت لغة صاحبة 'ضوء مهتز' و'متاهة مريم' في هذه الرواية. إنها لغة سردية في المقام الأول، بعيدة عن البلاغات الشعرية والجمــاليات الإنشائية.
لغة بسيطة، سهلة، مباشرة، يأخذ فيها الحكي (من حكاية) مساحة واسعة، مثلما يشكل الحوار فيها ميزة المتكلمـــين وطبقاتهم وصفاتهم وثقافتهم. إنها لغة منضبطة عاطفياً: دراما بلا تراجيديا، وألم بلا تفجّع.
editor
 
Posts: 83
Joined: Fri Nov 07, 2008 9:26 am

Re: رواية وراء الفردوس لمنصورة عز الدين

Postby editor » Fri Jun 22, 2012 10:10 am

أهو الفردوس حقا؟
قراءة في رواية «وراء الفردوس» لمنصورة عز الدين

شيرين أبو النجا
مجلة الكلمة:


كأن تشريح الذات بلا هوادة، عبر تحليل مفردات اللاوعى الانساني ـ ذلك الجانب المظلم المخيف ـ كان منذ البداية الهاجس الروائي الذي يسيطر على منصورة عز الدين. فقد بدأت تستكشف الطريق لذلك الجانب المختبىء البعيد في محموعتها القصصية «ضوء مهتز» (2001) ومن ثم وضعت الأساس في روايتها الأولى «متاهة مريم» (2004)، تلك الرواية التي قامت فيها مريم بقتل قرينتها أملا في الخلاص من ذلك الهاجس، إلا أنه مع كل جريمة قتل ترتكبها (أو بالأحرى تكتبها) منصورة يعود ذلك اللاوعى إلى احتلال المشهد بأكمله، مراوغا للواقع بكل وعيه المادي الثقيل والمثقل بآخرين، مفارقا له وأحيانا ساخرا منه. إذا كانت مريم بحثت ـ حتى أضناها البحث ـ عن مخرج لمتاهتها في السراية فإن سلمى في «وراء الفردوس» (دار العين، 2009) تحاول أن تتجاوز درجات السلم الثمانية للبيت الكبير، في محاولة لتثبيت صورة الفردوس المليء بأزهار الخوخ والخالي من أى طبقات اجتماعية كما تذهب الحكاية الصينية، ولأن الفردوس في هذا العالم المادي مفقود يقينا، فإنها تتجاوز الفردوس لتصل إلى ما ورائه رغما عنها. وبكل دلالات الاختباء التي يحملها ظرف "وراء" ينقب اللاوعى المختبىء عن مفرداته بنفسه، وكأن الذات قد انشطرت إلى قسمين، قسم يراقب ويسرد، والآخر ينقب بهيستيريا عن مكنونه لتخرج رواية "وراء الفردوس".

يبدو البحث في مكنون اللاوعى هاجس أدبي انساني يتملك الكتاب بشكل عام، لكن القليل منهم هو الذي يتمكن من طرح مفرداته للقارىء بسلاسة عبر بنية روائية محكمة تنهل من كل عناصر العمل بشغف حتى يستحيل فصل مفردات اللاوعى المطروحة عن تلك الشخصيات في تلك الأماكن بتلك الأفعال. فتتحول الشخصيات في حركتها داخل النص، وبالتالي السرد، إلى منظومة ترمز إلى حركة اللاوعى الدائمة وتفاعله مع الواقع الثقيل. بذلك يأتي المشهد الأول محملا برمزية تؤطر الرواية بأكملها، في قرية بدلتا النيل قريبة من مدينة طنطا تنزل سلمى رشيد سلالم البيت "كنمرة هائجة"، "يتبعها خادم يرزح تحت ثقل الصندوق الخشبي الضخم الذي يحمله" (ص 7)، ثم "سكبت قليلا من الكيروسين على الصندوق، وأضرمت فيه النيران دون ذرة من تردد" (ص 8). قررت سلمى حرق الصندوق الذي يحوي كل الأوراق التي تركها الأب رشيد اعتقادا منها أن الهدم الكامل يولد بناء جديدا فقد "كانت تراقب الصندوق وهو يتآكل كأن حياتها هى معلقة بفنائه وتآكله.. يتآكل أمامها رشيد، سميح، جابر، رحمة، ثريا، جميلة، هشام، ولولا ويحترقون. تحترق هى معهم كى تبدأ من جديد بروح شابة وذكريات أقل ألما" (ص 8).

يؤسس هذا المشهد للسردية كاملة بشكل مفارق تماما، في حين تحاول سلمى التخلص من ماض طويل محمل بذكريات أليمة وبصور سلبية عن الذات في مواطن الاخفاق يتحول الصندوق المحترق إلى صندوق باندورا الذي يخرج منه التاريخ كاملا: تاريخ العائلة، تاريخ الحب، تاريخ الجسد، تاريخ الحراك الطبقي داخل القرية ومن القرية إلى المدينة، تاريخ تحول تلك القرية من الزراعة إلى الصناعة، تاريخ التربة الزراعية التي تم تجريفها لصالح الثروة السريعة، تاريخ الجنون، تاريخ الكتابة...كل التاريخ الذي تحاول سلمى أن تتخلص منه عبر انشاء الفردوس الخاص بها. ينفتح الصندوق على كل الذكريات، وهو ما يحوله إلى تقنية موظفة بشكل بارع تدفع كل اللاوعى إلى الاعلان عن نفسه، وهو الاعلان الذي يضع سلمى على الحافة بين الواقع والحلم. تتخذ تيمة الحلم مكانا رئيسا أيضا في الرواية، إذ تحاول سلمى التحرر من الذكريات عبر الأحلام، وتحاول تعويض الواقع الثقيل في الأحلام كذلك الحلم الذي رأت نفسها فيه تقتل جميلة صديقة الطفولة بدم بارد، لتجد جميلة تقف أمامها في الواقع بعد فترة وجيزة، وهى تستشف ما سوف يحدث في الأحلام أيضا كالحلم الذي فسرته لها عمتها نظلة فيما يخص ضياء زوجها.

تعيش سلمى بكل وجدانها في الأحلام، وتستعين على تفسيرها بأشخاص عارفين أو بكتب متخصصة، وهو الانغماس الذي يرمز إلى طرد للواقع سعيا لانشاء ماوراء الفردوس. الا أن هذا الانغماس في الحلم الذي يجعلها منفصلة تماما عمن حولها (تزداد حدة الانفصال بسبب شعور البارانويا الذي يوهمها أنها خارج المنظومة الاجتماعية والعائلية) مع تعملق الذكريات التي لم تحترق مع الصندوق يجعل سلمى تكتب في خواطرها: "أسير في الشوارع المكدسة فلا أرى شيئا. لا أبصر البلد التي شابت فجأة لأنني مشغولة فقط بذلك الجنون الذي ينمو بداخلي ومتوحدة تماما معه. أشعر أني أعيش يوما واحدا يتكرر بلا نهاية، أنا في حالة dejà vu دائمة.....أغمض عيني فأرى عوالم أخرى، أبصر عالما متوهجا، أشجاره حمراء ونباتاته كذلك، بحاره وسماواته خضراء بدرجات متفاوتة، اللون الأزرق فيه هو مجرد ظلال للونين السابقين. هو فردوس ملون كما أسميه، أهرب إليه فأخرج من ذاتي وخيباتي، أصير أخرى، لا يربط بينها وبين شخصيتي الحقيقية أقل القليل" (81 ـ 82).

يزداد هروب سلمى عبر تركها لذاتها في الفردوس ومحاولة إعادة صياغة الآخر. مرة أخرى تنجح الكاتبة في دمج الرمز بالسرد. تعمل سلمى محررة في جريدة أدبية، و "كانت لا تجد أى صعوبة في التدخل في نصوص الآخرين، غير أنها حين حاولت فجأة أن تشرع في كتابة رواية خاصة بها، وجدت نفسها في مأزق حقيقي" (86). بدأت تسلي نفسها "بتحريف وتشويه قصص الآحرين" (87)، فأرادت أن تكتب رواية عن عائلتها من هذا المنظور: منظور فني يراقب. كانت هذه هى مشكلة سلمى، ترى الأشياء والبشر من منظورأحادي البعد، منظور يصور لها ما تريد، وهو ما يظهر بعد ذلك في حكى جميلة عن نفسها.

للوهلة الأولى تبدو جميلة وكأنها الصورة المناقضة لسلمى، الا أنه بالتمعن في لاوعى جميلة يدرك القارىء أنها تنويعة مختلفة على شخصية سلمى، ربما تكون كل الشخصيات في العمل ليست الا تنويعات لنفس الفكرة: الهروب أو البحث عن الفردوس المفقود. جميلة هى ابنة صابر العامل الذي وهب حياته اخلاصا لرشيد وجابر في مصنع الطوب، وهى صديقة سلمى الحميمة، وهى أيضا ابنة بشرى التي شقت ملابسها يوم علمت بخبر موت زوجها فاشتهاها جابر وتزوجها، مفضلا إياها على زوجته حكمت التي طلبت الطلاق إثر هذه الزيجة. وهى أيضا جميلة التي وقعت في حب هشام ابن جابر ثم اكتشفت أنها لم تكن سوى علاقة عابرة في حياته مما ساهم في احساسها بالدونية. أرادت أن تهرب من حياتها السابقة، لم تبحث عن ما وراء الفردوس مثل سلمى، ولم تنغمس في الحلم، بالرغم من أنها "كانت ترغب فيما يشبه الانتقام، غير أن انتقامها لم يكن يعني الحاق الضرر بالآخرين، إنما فقط الارتقاء بنفسها، كى تصبح أفضل منهم. كانت غاضبة ومهانة. وعرفت جيدا كيف تحول غضبها إلى طاقة دفع للأمام" (214 ـ 215). أرادت جميلة أن تنسى ما فعلته بها الفروقات الطبقية، التي جعلتها "شخص غير مرئي، فائض عن الحاجة، ودخيل على عائلة قوية مترابطة"، عكس سلمى التي "لم تكن في حاجة لاثبات شىء سواء لنفسها أو للعالم المحيط بها" (214). انطلقت جميلة إلى الأمام مخلفة ورائها كل الماضي ـ الذي لم تنساه ـ وأنجزت كل ما كان يتعين على سلمى فعله. في حين هربت جميلة في تحقيق الذات هربت سلمى في الهوس بالذات ومحاولة تصوير الآخر، أو بالأحرى تشويهه.

كل نساء "وراء الفروس" يبتدعن وسائل للهروب (أم مقاومة؟) من ذواتهن أو من أجسادهن، طبقا لما يلائم المنظومة الذكورية التي يترأسها رمز الأب. وإذا كانت سلمى قد أخفقت في هذه المحاولة بكل الأشكال ـ حتى أن جسدها فرض ارادته ودمر زواجها ـ و "في أعماقها لم هناك سوى جحيم من الأفكار المتضاربة، والتخيلات والهواجس التي لا تستطيع التفريق بينها وبين حياتها الواقعية" (219)، فإن بعض الأخريات قد نجحن في الهروب ووجدن لهن موقعا مرضيا عنه في عالم العائلة الصغير عبر توظيف كافة وسائل التعايش والتواطؤ. فالعمة نظلة مثلا التي لم تدع زوجها يقترب منها هربت إلى عالم الشيخة شمس وحفظت القرآن وهو ما وفر لها مكانة اجتماعية، أما بشرى ـ والدة جميلة ـ التي اعتقدت يقينا أن صابر ـ زوجها الذي قضى في مصنع الطوب الأحمر ـ يأتيها مع كل قمر مكتمل، كان من الطبيعي أن يحل جابر محله في ليلة مشابهة، وإن ظل طيف زوجها يظهر بين الحين والآخر، حتى أنه توقف عن الظهور لجميلة التي أسلمت جسدها لهشام ولم تبال بسطوة الأب، أما لولا ـ شقيقة ثريا وخالة سلمى ـ فقد انتحرت بشرب الزرنيخ بعد أن ظهر بطنها ولم تعلن اسم الرجل (تلمح الكاتبة أنه قد يكون رشيد والد سلمى)، وفيما يتعلق بهيام ـ شقيقة سلمى ـ فقد أعادت انتاج المنظومة الذكورية عبر التنكر لذاتها الأنثوية التي كانت عليها وفقا لرغبة الآخرين، كانت تمثل صورة المرأة الملاك الشهيرة في الأدب الفيكتوري. يرتبط فعل ورد الفعل الجسد الأنثوي بالأب الحاضر الغائب، وفي حين تتوافق كل النسوة معه ـ كل بطريقتها ـ تبقى سلمى خارج المنظومة تماما: جامحة مثل والدها رشيد.

سلمى "لم تعد راغبة في الحكى أو الكلام الذي طالما أحبته وانحازت له ضد الصمت. تكتفي فقط باغماض عينيها والتحليق في ملكوت خاص. صارت تغمض عينيها كثيرا. تغمضهما فتغرق في فردوسها الملون بألوان قوس قزح" (218). الا أنها في هذا الملكوت ـ وراء الفردوس ـ لم تتمكن من التخلص من آثار انفتاح صندوق باندورا، فمع كل تلك الأحكام التي أصدرتها على الآخرين، ومع كل ذلك الاستسلام لرثاء الذات، ومع كل هذا الجنون الكامل الذي يسعى إلى الانسلاخ عن كل ما حوله اعتقادا أنه طريق النسيان، تبقى سلمى أسيرة نفس الفكرة: الهروب.

في كل ما حكته سلمى لطبيبتها النفسية (وربما لذاتها) لم تذكر حكاية "بدر الهبلة" (وهى نموذج متوافر في كل قرية مصرية تقريبا) المتخلفة عقليا، والتي يقيدها والدها بالجنزير الحديد في السرير الضخم خوفا عليها من أى اعتداء جنسي من هؤلاء الذين قد يستغلون جنونها. كان جل هم بدر هو أن تغافل والدها وتفك الأصفاد الحديدية بمساعدة جابر، وهو ما كانت تنجح في فعله حتى اختفت تماما عند زواج بدر ببشرى، الفعل الذي اعتبرته خيانة لها. من كل هذه الذكريات المزدحمة لا يبقى الا قصة بدر الهبلة على لسان سلمى حين تفيق من الحادث الذي وقع لها. وبالرغم من أنها كتبت الرواية التي كانت تسعى جاهدة لانجازها، وسلمت نسخة منها لجميلة، الا أن الأصفاد الحديدية التي تكبل عقل وروح سلمى تبقى مستعصية على كل تلك المراوغات، فلا يبقى بعد الحادث الا ذكرى "بدر الهبلة" ومحاولتها الدؤوب في التخلص من قيودها وهو ما يتوازى مع محاولة سلمى أن تكتب عن عائلتها وأن تنأى بعقلها عن الذكريات.

تبدأ "وراء الفردوس" من الذات التي تحاول أن تنسلخ وتنفصل عن واقعها (ماضيها وحاضرها) وتنتهي بالذات الراقدة بدون حراك في سرير بمستشفى وهى لا تزال غارقة في هوس التخلص من القيود، "وجدت نفسها مشدودة إلى سرير معدني بارد في غرفة ضيقة مشبعة برائحة الأدوية والمطهرات" (221). تبدو سلمى في النهاية وكأنها تنويعة أخرى على شخصية "بدر الهبلة"، مما يجعل الرواية تنتهي بشكل مفارق، وبشك عما إذا كان ذلك المكان وراء الفردوس هو النعيم أم النار. فمحاولة الوصول إلى ما وراء الفردوس تشبه محاولة العودة إلى مرحلة العقل الخالي من أى انطباعات أو ذكريات أو تاريخ أو حتى معرفة، وهو المعروف فلسفيا باسم "تابيولا رازا"، ولم يكن سوى افتراض فلسفي بحت. ربما يتجلى جنون سلمى في سيطرة هذه الفكرة عليها، وقيامها بتطوير صورة ذلك الفردوس المنعزل، وهو ما يجعل النهاية ـ "عندما فوجئت بجسدها كأنما يطير في الهواء قبل أن يسقط مرتطما بالأرض" (221) ـ مشهدا حرفيا. فسلمى التي ظلت تحلق في ملكوتها الخاص كان لابد أن تعود للأرض ولو بهذه القسوة، وهو ما يجعل وراء الفردوس مكانا وهميا يتخذ منه العقل تكئة للهروب من المواجهة: مواجهة الواقع المادي الثقيل وقبول وخز الألم.
editor
 
Posts: 83
Joined: Fri Nov 07, 2008 9:26 am

Re: رواية وراء الفردوس لمنصورة عز الدين

Postby editor » Fri Jun 22, 2012 10:14 am


منصورة عز الدين:
الرواية هي عالمٌ موازٍ للعالم الذي نعيش فيه

بيروت – حسين بن حمزة
: منذ مجموعتها القصصية الأولى "ضوء مهتز" (2001)، أبدت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين نضجاً مبكراً، فخلت نصوصها من عثرات البواكير. قرأنا لها قصصاً مكتوبة وفق مخيلة تمزج الواقع بالحلم، وتتخلى عن الثرثرة الزائدة والسرد الوصفي لصالح قصة مكثفة ومتوترة يتحرك فيها أشخاص يعيشون لحظة زمنية ونفسية ووجودية. الأحلام والكوابيس والوقائع الغرائبية تسرّبت إلى روايتها الأولى "متاهة مريم" (2004) والثانية "وراء الفردوس" الصادرة حديثاً، وتحوّلت إلى جزء جوهري من نبرة الكتابة وحساسيتها، وإلى علامة شخصية داخل المشهد الروائي المصري الراهن.
في "وراء الفردوس"، تعود منصورة عز الدين إلى زمن طفولتها ومراهقتها، بدون أن يعني ذلك أنها تكتب سيرة ذاتية. الرواية تحفر في جانب من فترة السبعينات والثمانينات، وتعاين التقلبات التي عصفت بمصائر شخصيات عاشت أحلامها وانكساراتها.
"الرأي" سألت منصورة عز الدين عن روايتها الجديدة وعن تجربتها الروائية عموماً، وكان هذا الحوار:

* لنبدأ من مجموعتك القصصية الأولى "ضوء مهتز". لماذا القصة وليس أي جنس أدبي آخر؟ ماذا عن المؤثرات والقراءات الأولى؟
- البداية الأولى كانت مع الشعر، عبر محاولات ساذجة وأنا فى المرحلة الإعدادية، وفى الجامعة كتبت قصائد نثرية لم أنشرها، ولم يقرأها إلا بعض الأصدقاء المقربين. أما القصة فبدأت كتابتها فى بداية المرحلة الجامعية، وكنت أيضا أرفض عرضها على أحد، كنت غير راضية عما أكتبه، لأننى كنت قارئة نهمة، وبالتالى كنت مدركة لسذاجة وبدائية ما أكتبه فى تلك المرحلة مقارنة بما أقرؤه من إبداع عالمى، لكن أحد زملائى فى كلية الإعلام وكان يكتب القصة أيضا صمم على قراءة قصصى فأعطيتها له، فقام بنسخها دون أن أعلم وقدمها فى مسابقة للقصة القصيرة فى الجامعة، وبعدها بمدة فوجئت بأننى فزت بالمركز الاول بالجائزة، وأن أعضاء لجنة التحكيم، وكانوا من الكتاب والصحفيين المعروفين، يبحثون عنى. كانت مفاجأة غريبة. شعرت ساعتها بالورطة، لكننى فرحت فيما بعد عندما فازت القصة نفسها بجائزة يحيى حقى التى كانت تمنح على مستوى جامعات مصر.
نشرت القصة فى أكثر من أربعة منابر مختلفة، وقرأ بعدها الروائى محمد البساطى قصصى وتحمس لها جدا، وقام بتعريفى على معظم كتاب جيل الستينيات باعتبارى موهبة جديدة يراهن عليها.
القصة كانت أكثر ملائمة لى وقتها، كانت أشبه بتمرينات على توسيع العالم والإمساك بتقنيات الكتابة وإجادتها، كنت متهيبة جدا من فكرة أن أكتب رواية، لأنها فى نظرى تحتاج إلى خبرة بالعالم ورؤية فلسفية وثقافة واسعة.
بالنسبة لقراءاتى الأولى، أتذكر أنى بدأت القراءة بنهم بمجرد معرفتى بالقراءة والكتابة، أى فى سن السادسة، بدأت بجريدة الأهرام، وتعرفت عبرها على أحمد بهاء الدين، لويس عوض، وتوفيق الحكيم فى سن مبكرة، وفى سن العاشرة وقع فى يدى كتاب "حول العالم فى 200 يوم" لأنيس منصور وبعده رواية لنجيب محفوظ قرأتها بنهم وشجعتنى على البحث عن باقى رواياته، إلا أن نقطة التحول فى قراءاتى حدثت وأنا فى الثالثة عشرة من عمرى حين قرأت بالصدفة ملفا عن الفيلسوف الفرنسى ألبير كامى منشورا فى إحدى المجلات، اتذكر أنى انبهرت بشخصيته وأفكاره، وجدته يطرح أسئلة خاصة بالموت والحياة والوجود كنت أطرحها على نفسى دون أن أفهمها كلية. من هنا تعرفت على الفلسفة الوجودية فى سن صغيرة وبدأت فى قراءات تفوق سنى بمراحل، وهو ما اختصر على الطريق كثيرا.

* روايتك الجديدة "وراء الفردوس" ترصد التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في العقود الثلاثة الأخيرة في مصر. هل هناك مطابقة مستهدفة بين كونك مواطنة عاشت هذه الحقبة ورؤيتك ككاتبة للخلاصات والمصائر التي انتهت إليها؟ وهل الماضي بهذا المعنى هو دائماً فردوسنا الذي فقدناه؟
- عشت نصف هذه المدة كطفلة وصبية، وقتها لم أكن أفهم علاقة تلك الحقبة بما قبلها ولا تأثيرها على ما بعدها.. المعاصرة تفرض حجابا على الواقع، حين بدأت الكتابة عن حقبة الثمانينيات وبداية التسعينيات اكتشفت أنى عشتها كالمنومة، صحيح أن ذاكرتى خزنت الكثير من ملامحها، إلا أنى لم أفهمها بشكل أوضح إلا حين كبرت. الرواية ليست نقلا للواقع، هى محاولة لتفكيكه وإعادة تركيبه مرة أخرى. الواقع الاجتماعى والاقتصادى فيها هو تكئة لطرح أسئلة وجودية تخص الإنسان فى أى مكان. هى أيضا ليست سيرة شخصية، إنما يمكن اعتبارها سيرة عالم ومناخ، وإن بشكل يعمد إلى المحو والإبدال وطمس الآثار لأغراض فنية بالأساس، حيث حاولت فيها طرح العلاقة بين الفن وأصله الواقعى من خلال الرواية التى تكتبها سلمى داخل الرواية.
بالنسبة للشق الثانى فى سؤالك، فالرواية أبعد ما تكون عن رؤية الماضى كفردوسى مفقود أو الحنين له. على العكس من ذلك ثمة رغبة مستحيلة لدى البطلة فى القطيعة معه، والتمرد على موروثه. الماضى هنا يحمل بذرة الإنهيار والسقوط، كما أنه سبب أساسى من أسباب عطب الحاضر. أنا ككاتبة ضد الحنين لعصر مضى، فى رأيىّ أن الإيمان بوجود عهد ذهبى فى الماضى هو نوع من الرومانسية التى تقارب حد السذاجة.

* يُلاحظ القارئ وجود انضباط أسلوبي صارم في كتابة شخصيات الرواية والعلاقات المتشابكة بينها. هل تكتبين وفق مخطط عام مسبق أم تتركين الفرصة للارتجال والتغيرات المفاجئة أثناء الكتابة؟
- حين أكتب ألجأ للأمرين معاً، بمعنى أننى أجهز مايشبه المخطط العام لكل شخصية: صفاتها الشخصية، مواصفاتها الشكلية، كل ما يخصها تقريبا. ثم أبدأ الكتابة دون أن يكون لدى خطة عامة للعمل ككل، وحين أقطع شوطا فى الكتابة قد تقودنى عملية الكتابة نفسها لتغيير

خططى، بل وتغيير وجهة العمل نفسه، ساعتها قد أعيد الكتابة من جديد، أو أعدّل فيها وفقا لما وصلت إليه. ودائما ما يكون لدى عدد من الاحتمالات وكل منها قد يقود لرواية مختلفة. أى أن عملية الكتابة تكون خاضعة للتجريب والتبديل طوال الوقت. وبعد أن أكتب معظم العمل، أتركه بعض الوقت، ثم أعود إليه للعمل على البناء الذى يأتى عندى كآخر مراحل الكتابة، فى هذه المرحلة قد أحذف الكثير وقد أغير من سمات الشخصيات أو علاقاتها ببعضها البعض. واعتقد أن اشتغالى على بنية العمل كآخر مرحلة من مراحل كتابته هو ما يعطى الانطباع بالانضباط الأسلوبى الذى أشرت إليه.

* هناك تكرار لتقنية الأحلام والكوابيس في تجربتك. هل هي محاولة لتكريس هوية محلية وعربية للرواية التي تكتبينها أم أنها جزء من حساسية السرد الذي تفضلينه؟ ألا تخشين من تحول التكرار إلى عبء على الرواية؟
- الأحلام والأجواء الغرائبية بدأت منذ القصة الأولى التى كتبتها، خرج الأمر فطريا. من المؤكد أن له علاقة بتململى من الواقعية الصرفة التى كانت مسيطرة على الأدب المصرى إلا قليلا، غير أن هذا ليس كل شىء. يخيل لى أن الأمر له علاقة برؤيتى للواقع، ترى عيناى العالم من حولها على هذا النحو.. أبسط أمر واقعى يتطور فى ذهنى لخيالات غريبة وأحيانا مخيفة. فيما بعد ومع تزايد خبرتى نسبيا فى الكتابة بدأت أحفر فى هذا العالم، وأقرأ فى هذه المنطقة، أقرأ كثيرا عن الأحلام وتفسيراتها فى الثقافات المختلفة، كما أهتم بالميتافيزيقا والأساطير، أى أن المسألة بدأت تكون أكثر تعمقا.
قبل "وراء الفردوس" كانت الكتابة عندى تكاد تكون غرائبية بالكامل، وأثناء كتابة الرواية كنت أشعر أننى أكتب أحيانا فى منطقة بعيدة عنى، اختلفت منابع الغرائبية كثيرا، بعد أن كانت تنبع من هلاوس اللاوعى والإيهام بالجنون، والشك ما إذا كانت حقيقة أم حلم. أصبحت فى وراء الفردوس نابعة من الأسطورى والتراث الشعبى وحكايات الجان والأشباح، توقفت كثيرا لاحساسى بأن ما أكتبه بعيد عن تصورى للكتابة، بعد تفكير واعادة قراءة المخطوط أكثر من مرة أدركت أن المكان هو الذى يفرض الغرائبية الخاصة به. فيما يخص البحث عن هوية محلية وعربية، فالواقع أنى لم أنشغل بهذه المسألة كثيرا، الكاتب من وجهة نظرى بلا جنسية ولا وطن وكذلك الأدب، هو كإنسان يملك التراث العالمى كله.
التكرار هو الفزاعة التى تهدد كل من يكتبون، لكن من ناحية أخرى، الوعى والتعامل مع الكتابة بجدية قد يحميان الكاتب منها، أنا مشغولة بأسئلة أساسية كما يفترض بكل كاتب، قد أعيد طرحها لكن التناول يختلف من مرة لأخرى، لا أحب الكاتب الحرفى غير المهموم بأسئلة فنية ووجودية، محاولة فهم الوجود الإنسانى المحكوم بالفناء، والنفس البشرية الملغزة هما شرط الكتابة الجيدة من وجهة نظرى.

* لماذا تعاني شخصياتك دائماً من تمزقات وجودية؟
- الكتابة من وجهة نظرى هى رحلة فى المجهول، هى محاولة لفهم الوجود الإنسانى، والنفس البشرية. منذ طفولتى تشغلنى أسئلة عن المغزى وراء وجودنا، طالما أنه محكوم بالفناء فى النهاية. هذه الأسئلة تنتقل إلى شخصياتى على اختلافها وتنوعها.. الفن يكمن فى المخفى والخفى، فى المناطق الضبابية بين الضوء والظلمة. والشخصيات الأكثر تأثيرا على كقارئة هى المحكومة بضعفها وخيباتها. ثم ألسنا جميعا – على اختلاف ثقافتنا ووعينا- هذه الشخصيات الممزقة وجوديا حتى لو لم ندرك ذلك.

* المرأة هي البطلة الرئيسية في "متاهة مريم" وفي "وراء الفردوس"، ولكنك لا تهملين الشخصيات الذكورية. هل تهمك مسألة ألا تُقرأي ككاتبة نسوية؟
- هى مصادفة بحتة أن تكون المرأة هى البطلة الرئيسية فى متاهة مريم ، و "وراء الفردوس". أنا لا أحب التقسيمات فيما يخص الأدب، وككاتبة لا اعتبر نفسى كاتبة نسوية على الإطلاق، رغم احترامى للتيارات الجديدة فى الحركة النسوية كحركة فكرية. الكاتب الجيد من وجهة نظرى هو الذى ينظر للعالم بعين إندروجينية تحمل الذكورة والأنوثة فى الوقت نفسه. أربأ بالإبداع عن أن يكون بوقا أو ناطقا رسميا باسم جنس أو دين، أو عرق، أو قبيلة أو حتى وطن بعينه. أحيانا يأخذنى الشطط للتفكير فى أن الروائى ليس من حقه حتى أن تعبر أعماله عن رأيه وحده. الرواية من وجهة نظرى هى عالمٌ موازٍ للعالم الذى نعيش فيه، تحتمل الآراء والرؤى المتصارعة، والأصوات المتعددة المتناقضة.
لذا حين أكتب دائما ما أضع أفكارى موضع المساءلة، أخونها أحيانا، وأتمرد عليها فى أحيان أخرى وفق منطق الشخصية التى أكتبها. أحيانا أقرأ أعمالا كل شخصياتها تقريبا تنطق بالأفكار نفسها وتتصرف وفق المنطق نفسه الذى هو فى الغالب منطق الكاتب نفسه. بعض الكاتبات يتصرفن كأنهن محاميات موكلات للدفاع عن المرأة ضد الرجل، وفى سبيل هذا يضحين بالقيم الجمالية والفنية فى العمل لصالح الأفكار التى يردن تمريرها. وبعضهن يرسمن الشخصيات النسائية بمهارة، فى حين تخرج الشخصيات الذكورية فى أعمالهن باهتة، وهو أمر أحاول تلافيه فى أعمالى، من هنا يأتى اهتمامى بالشخصيات النسائية والذكورية بالقدر نفسه.

* هل تحسين أنك تنتمين إلى جيل زمني وإبداعي معين؟ ما هي خصوصية هذا الجيل واقتراحاته؟
- لا أؤمن بفكرة الأجيال، والتقسيمات الصارمة التى تتم وفقها، هناك سمات عامة قد تجمع بين عدة كتاب ينتمون للفترة الزمنية نفسها، لكن التقسيم الجيلى المتعسف الذى يمارس فى مصر لا أوافق عليه. قد يجمعنى بكاتب تواجد قبلى بقرون أو عقود أكثر مما يجمعنى بآخر من سنى نفسه. يُخيّل لى أحيانا أن من يكثرون الكلام عن الجيل هم الباحثون عن غطاء للاحتماء به، أو قطيع يسيرون فى ظله. ألاحظ ميلا لوضع الجميع فى سلة واحدة كأنهم يكتبون نصا واحدا، وهو ما أرفضه. البعض يعيد طرح الأفكار نفسها حول الكتابة منذ أكثر من عشر سنوات دون أن يكلف نفسه عناء مساءلتها أو التوقف عندها.

* كثر الحديث مؤخراً عن المغايرة والتجديد في الرواية العربية. ما رأيك في ذلك؟ هل صار محفوظ وجيل الستينات وراءنا أم أن هناك مبالغة من قبل الأصوات الجديدة؟
- التجديد والمغايرة هما طموح كل كاتب، إلا أنه الطموح الأصعب، فكما يقولون لا توجد فكرة عذراء، كل الأفكار تم طرحها، التجديد يكون عادة فى كيفية طرح فكرة ما ومقاربتها، غير أنه حتى وفق هذه النظرة فالمسألة نسبية. رواية كـ "دون كيخوته" مثلا تتجاوز من ناحية الجدة والأصالة معا معظم الأعمال التى تلتها. البعض يرى أن كونه يعيش فى الزمن الحالى يعنى بالضرورة أن كتابته أفضل من الكتاب القدامى، غير أن التجديد لا علاقة له بسن الكاتب أو العصر الذى يعيش فيه، هناك كتاب شباب أعادوا الكتابة أعواما بالسلب إلى الخلف، وهناك كتاب قدامى أكثر جدة ومغايرة.
فيما يخص نجيب محفوظ وجيل الستينيات أرفض الكلام عن أى كاتب ككل بما فى ذلك محفوظ، أى كاتب مهما كانت شهرته لديه أعمال جيدة وأخرى دون المستوى، من هنا أفضل الحديث عن روايات بعينها.

عن موقع الراي نيوز
editor
 
Posts: 83
Joined: Fri Nov 07, 2008 9:26 am


Return to Book Discussion/ رأي في كتاب

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 1 guest

cron