شيء من حكايات جدتي

أرسل رأيك أو مقالك هنا

شيء من حكايات جدتي

Postby خالد القشطيني » Thu Aug 01, 2013 11:22 pm

شيء من حكايات جدتي

Image

خالد القشطيني

من متع شهر رمضان المبارك، حل الفوازير و سرد الحكايات. لم اعبأ بالاول و لكنني استمتعت بالثاني ، ولا عجب من كاتب روائي و حكواتي. و كان مصدري الاول جدتي رحمها الله. كنت طفلا عليلا . و كلما مسني برد الشتاء ومرضت بعثت بي والدتي رحمها الله لأقضي الليلة مع جدتي. اعتادت السيدة العجوز ان توقد لي في الشتاء المنقلة الفحمية . لم تكن هناك تدفئة مركزية ولا صوبات نفطية. كان الفحم في المنقلة الوقود الوحيد للتدفئة و عمل الشاي. كنا نجلس حولها. تلفني جدتي بالبطانية و تدفئني بحكاياتها. تضع بيضة في النار و تتركها حتى تستوي ثم تطعمني بها. "كل يا ولدي. البيض من الجنة و يشفي كل مرض!" كثيرا ما انفجرت البيضة بقوة النار و اختلط بياضها و صفارها بالفحم و الرماد. و لكنها كانت تجمعه لي و تضعه في قطعة خبز لآكله مع ما فيه من رماد او فحم. البيض من الجنة!
تعمل لنفسها استكان شاي مثقل بالسكر القند. تشربه و تبدأ بالحديث. كانت جدتي ارملة لضابط في الجيش العثماني المرابط في العراق ، اليوزباشي مصطفي اغا. فجعت بمقتله في شبابها في حروب الجزيرة العربية. و دفن فيها. لم يكن هناك تلفزيون ولا راديو ولا غرامفون. فاعتاد الزوج المتعلم ان يتسلى مساء بقرائة ما يجده في سوق السراي من كتب الاثر و الروايات و الاشعار. و اعتادت الزوجة الامية ان تستمع اليه يقرأ لها او يروي لها شيئا مما يقرأه. هكذا عاش اليوزباشي مصطفى مع زوجته السيدة نازندا ، التي يدل اسمها على جذورها العثمانية.
لم تكن هناك مشاكل كثيرة تشغل بال الناس في تلك الايام ، لم يكن هناك اخوان مسلمون ولا سلفيون و لا بعثيون ولا ثوريون ولا حتى وطنيون. كانت ايام خير. لم يسمع الناس عن احد يغتال احدا من المسؤولين او يضرم النار في عربة حنطور او ينسف دائرة برق و بريد. البال خالي ، فاستطاعت جدتي نازندا ان تستوعب جل ما سمعته من زوجها اليوزباشي من حكايات. راحت تتسلى بسردها لي، وهي تنكش الرماد من النار. ساعة او اقل من ساعة ، واستسلم للنوم في حضنها. تضعني على الفراش بجانبها و تنشر البطانية و اللحاف علي. استفيق احيانا على صوتها تنطق بعبارات لم افهمها و تردد كلمات : " ابو صبرية ، يا ابو صبرية " افهم انها كانت تنادي جدي اليوزباشي ، والد امي. ينقبض قلبي قليلا إذ اسمعها تستفيق و تتلو شيئا مما حفظته من القرآن الكريم :
" الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ، إياك نعبد و إياك نستعين..."
اسمع كلماتها تستغفر من ربها و تتعوذ من الشيطان ، و لكنني اعود فاستغرق في النوم بجانبها ، اشعر بحرارة جسمها و اسمع انفاسها و قرقرة بطنها.
استفيق صباحا معافى مشافى . انزل السلم من غرفتها و اهرع لوالدتي، " ماما ، بيبيتي حكت لي البارحة عن ناس يسموهم قوم عاد و ثمود. تعرفيهم؟ خلي احكي لك عنهم ...
" لا ابني لا. انا عندي مليون شغل." لم تستمع لي اروي لها حكاية عاد و ثمود. فلأرويها لقرائي الافاضل في مقالتي التالية انشاء الله.
خالد القشطيني
 
Posts: 8
Joined: Fri Feb 22, 2013 9:01 pm


Return to Articles and Views/ مقالات وأراء

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 1 guest

cron