الثورة الشعبية في مصر: غرائبية المشهد وخطورته

أرسل رأيك أو مقالك هنا

الثورة الشعبية في مصر: غرائبية المشهد وخطورته

Postby ayman_asmr » Sun Mar 24, 2013 8:23 pm

الثورة الشعبية في مصر: غرائبية المشهد وخطورته

تأبى الأحداث في مصر إلا أن تدهشنا كل يوم بعجائب وغرائب لا يقبلها عقل أو يقرها منطق ، وإذا كانت فترات التحول في حياة الأمم والشعوب تتميز بطبيعتها بالكثير من العجائب والغرائب ، إلا أن ما يحدث في مصر منذ سنتين أو أكثر قليلا قد فاق ـ ربما ـ كل ما شهدته الثورات والتحولات التي عرفتها الأمم والشعوب الأخرى.
وإذ أصبحت مقتنعا أن دورة اكتمال النضج والمعرفة في مصر تحتاج إلى وقت قد يبدو طويلا نسبيا في عرف حياة الأفراد ، لكنه قصير للغاية في عمر الأمم والشعوب ، غير أن ذلك لا يمنع من محاولة استقراء بعض الظواهر التي تمر بها مصر ، ودراستها وتحليلها علنا نضع علامات على طريق النضج المرتقب ، والمعرفة التي نأمل في الوصول إليها.
أبدأ أولا بالنظر في أحوال الفريق الذي يمسك حاليا ـ ولو بشكل جزئي ـ بالسلطة في مصر ، وهو قد وصل إليها عن طريق انتخابات قد لا تكون مثالية ، ويشوبها الكثير من الشكوك والشوائب ، إلا أنها تمثل رغم ذلك خطوة ما على طريق التعلم واكتساب الوعي ، أتحدث هنا عن جماعة الإخوان المسلمون التي كشف تتابع الأحداث وتسارعها ، وتحملها للقدر الأكبر من المسئولية ، وانفتاح الساحة أمامها للحركة بحرية شبه كاملة ، كشف ذلك كله عن عناصر قصور لم تكن واضحة عندما كانت الجماعة تتحرك في مساحة محدودة ووفق قواعد صارمة للعبة ، فاشتهرت حينها بالتماسك والانضباط التنظيمي بشكل لم يكن ملحوظا لدى الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى ، لكن التجربة والممارسة الواقعية أظهرت أن الأخوان المسلمين تعاني هي الأخرى من الارتباك والتخبط وتخلخل الانضباط التنظيمي ، كما أظهرت أيضا ـ وهو الأهم ـ أن الجماعة تعاني أيضا من غياب الرؤية ، وافتقادها للغة خطاب جديدة ولآليات الحركة الإيجابية الفاعلة ، وعجزت الجماعة عن التخلي عن مصالحها الضيقة وتبني سياسات تعلي من شأن الوطن فوق شأن الجماعة ، وبدلا من تحمل المسئولية بشجاعة والسير في طريق الإصلاح وإعادة البناء ، استسلمت الجماعة سريعا لتبني لغة خطاب وسياسات وأساليب حركة النظام السابق ، مما أفقدها قدرا كبيرا من المصداقية والبريق الذي كانت تتمتع به قبل 25 يناير 2011.
على جانب آخر يكفي إلقاء نظرة سريعة على أحوال الجماعات السلفية والجهادية .. الخ (وهي كثيرة ومتعددة للأسف) لندرك على الفور مدى التشرذم الذي أصابها ، واختلافها في الرؤى والمصالح ، وتذبذب علاقتها ومواقفها بجماعة الإخوان المسلمين ، وهي كلها أحزاب وجماعات تدعي ـ بل تؤكد ـ أنها ذات مرجعية إسلامية ، وفي خلال عامين أو أقل أضر العمل السياسي بتلك الأحزاب والجماعات والمنتسبين إليها ، بل أضر بدعاة وشيوخ يفترض أن ينظر إليهم نظرة احترام وتوقير.
أما عن القوى المدنية على اختلاف وتعدد اتجاهاتها ، فقد كان واضحا قبل 25 يناير 2011 عدم قدرتها على تغيير الوضع القائم في مصر ، وفاجأتها الأحداث كما فاجأت النظام ، وعندما التحقت بحركة الشباب والناس البسطاء في الشارع ظلت متأخرة دائما عن حركة الشارع بخطوة أو خطوتين ، وعجزت عن ضبط حركته ، وتحديد أهدافه ، وقيادته بوعي لتحقيق تلك الأهداف ، وظل أداؤها باهتا مترددا منقسما ، ورغم محاولتها للتوحد بعد وصول جماعة الإخوان إلى السلطة ، إلا أنها ظلت قاصرة وعاجزة عن تحريك المشهد المصري بصورة ايجابية واكتفت برد الفعل السلبي في أغلب الأحيان.
أما عن الحراك الاجتماعي والسياسي الذي يشهده الشارع المصري لمواطنين بسطاء لا ينتمون ـ في الغالب ـ لأحزاب أو جماعات سياسية ، فهو يمثل إحدى الظواهر الإيجابية القليلة التي يعول عليها كثيرا لاكتمال دورة اكتمال النضج واكتساب المعرفة ، إلا أنه للأسف الشديد حراك مرتبط بالجهل وقلة الوعي ، وغياب الرؤية والقيادة ، فضلا عن تأثره بعوامل ضغط داخلية وخارجية تستخدم المال وأشياءً أخرى ، وتستغل الأحوال الاقتصادية والاجتماعية المتردية لغالبية المصريين ، كما أن ارتباط هذا الحراك بالعنف غير المبرر أحيانا والبلطجة الرسمية والجماعية والفردية في أحيان أخرى ، قد أساء كثيرا إليه مما جعل البعض يتشكك في جدواه ، بل أدى بالبعض لإطلاق دعوات غريبة مثل عودة إمساك الجيش بالسلطة ، أو الترحم على أيام النظام السابق ، غير أنني ما زلت مصراً أن هذا الحراك رغم كل ما قد يؤخذ عليه هو الأمل والسبيل الوحيد لاكتمال عملية النضج واكتساب المعرفة مهما طال الوقت ، وأن استمرار الدورة كاملة دون انقطاع كفيل بتصحيح مسارها وظهور قيادات جديدة واعية ، وتغيير أحوال المجتمع والدولة بصورة تدريجية.
وأشد ما أخشاه أن يتم انكسار هذه الدورة قبل اكتمالها ، سواء تم ذلك من قبل السلطة الحاكمة ، أو بتدخل الجيش ، أو أي عوامل داخلية أو خارجية أخرى ، لأن ذلك ـ إذا حدث ـ سيكون كارثة حقيقية ، نعود بعدها لكي نبدأ من الصفر أو ما قبل الصفر ، ويعلم الله وحده كيف ستكون أحوال مصر حينها إذا حدث ذلك.

أيمن مصطفى الأسمر
قاص وروائى مصرى - دمياط
ayman_asmr
 
Posts: 64
Joined: Mon Nov 10, 2008 3:59 pm


Return to Articles and Views/ مقالات وأراء

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 2 guests

cron