الثورة الشعبيّة فى مصر: دورة النضج والآلام

أرسل رأيك أو مقالك هنا

الثورة الشعبيّة فى مصر: دورة النضج والآلام

Postby ayman_asmr » Tue Jan 15, 2013 5:20 am

سألني أحد الأصدقاء معلقاً بانفعال شديد على ما يدور في مصر من أحداث ابتداءً من 25 يناير 2011 وحتى الآن: لماذا لا نبدأ مما انتهى إليه الآخرون؟، صمت قليلا ثم أضاف: لماذا نصر على تكرار نفس الأخطاء؟ أجبته دون تفكير: يبدو أنه يجب أن نمر بالدورة كاملة حتى ننضج ونتعلم.
وعندما خلوت بنفسي بعد ذلك سألتها: هل حقا علينا إعادة اختراع العجلة؟ ألسنا في زمن سقطت فيه الحدود والحواجز، وأتاحت ثورة الاتصالات والمعلومات الوصول السريع الآمن إلى خبرات الشعوب والأمم، والتعرف على حصاد تجاربها لتجاوز عصور السقوط والتخلف، والانطلاق إلى عصور النهضة والتقدم؟ ألا يكفي ذلك كي نتجنب تكرار الأخطاء التي صححوها بعد عقود من التجربة والخطأ؟، لكنني عدت لأخاطب نفسي: أنه يمكن لأفراد مجتمع ما إجادة قيادة سيارات مستوردة من الخارج تعمل بأحدث تكنولوجيات العصر في شهرين، إلا أنه لا يمكن لهذا المجتمع تصنيع هذه السيارات على أراضيه إلا بعد عشرين عاما على الأقل.
ولأنه يجب أن نصارح أنفسنا حتى نتمكن من معالجة أمراضنا المزمنة، فيجب علينا أن نعترف أننا في مصر خاصة وفي منطقتنا العربية بصورة عامة لا نزال نصنف من بين المجتمعات المتأخرة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وأن عقوداً متصلة من القهر والقمع والاستبداد، غياب الرؤية أو تشوشها، سوء الإدارة والفساد، قد أدت إلى حالة من التدهور التراكمي لكل من الفرد والمجتمع، وإلى انهيار حقيقي لكافة مؤسسات الدولة، وطال هذا الانهيار النخبة التي كان من المفترض أن يعول عليها في قيادة عملية التحول السياسي والاجتماعي، فأصبحت سبباً رئيسياً من أسباب الفوضى والاضطراب اللذان يعصفان بالدولة والمجتمع.
ويبدو أنه لا يمكن بالفعل اكتساب المعارف والخبرات التي توصلت إليها الشعوب الأخرى بعد تجارب كثيرة وآلام هائلة بشكل مجاني، فالمعرفة والنضج لهما ثمن فادح لا يمكن اختصاره أو القفز عليه، بل يجب أن نخوض التجربة كاملة بكل آلامها ومعاناتها كي ننضج ونتعلم ونكتسب تلك المعارف والخبرات، ولكي تتأصل داخل مجتمعاتنا بصورة طبيعية لا اصطناع فيها.
وإذا كانت مظاهر الفوضى والاضطراب والتخبط التي تسود المجتمع المصري الآن ـ وربما لسنوات قادمة ـ قد أصابت الكثير من المصريين بالإحباط وتراجع الآمال العريضة التي حلموا بها وتوقعوها بعد 11 فبراير 2011، إلا أن النظرة المتعمقة لما يجري من أحداث توضح بجلاء أن هناك مؤشرات إيجابية توضح أننا ـ ربما ـ نسير في الطريق الصحيح.
فلا شك أن انخراط قطاعات واسعة من المجتمع المصري بصور مختلفة في الحراك السياسي والاجتماعي الذي تدور وقائعه في مصر حالياً، وبغض النظر عن قلة وعيهم وعدم قدرتهم على تحديد الأهداف العاجلة والبعيدة التي يتحركون من أجل تحقيقها بشكل واضح، وافتقادهم لآليات الحركة المنظمة والمنضبطة، لهو أحد أهم تلك المؤشرات الإيجابية.
كما أن ظهور معظم التيارات الفكرية والسياسية المختلفة إلى العلن، وتحركها بشكل مكشوف فوق سطح الأرض، يتيح الفرصة لاكتشافها بشكل واضح والحكم عليها من خلال أدائها الفعلي داخل الملعب، وسيؤدي ذلك تدريجيا إلى تحجيم تلك التيارات المختلفة بحجمها الحقيقي دون تهوين أو تهويل، وهو مؤشر إيجابي آخر لا يقل أهمية عن المؤشر السابق.
بالتأكيد هناك مؤشرات إيجابية أخرى أقل أهمية إلا أنها تؤكد جميعها أننا نسير ببطء في الطريق الصحيح، وأن ما نعاني منه الآن ولسنوات قادمة هو الضريبة التي لا غنى عن دفعها لاكتمال دورة اكتساب النضج والمعرفة، وأنه مهما كانت الصعاب التي نواجهها والآلام التي نعانيها فلا مفر من مواجهتها وتحملها بكل صبر وشجاعة، وإصرار على مواصلة الطريق حتى نهايته، والإيمان بأن هذا الطريق وهذا الثمن هما السبيل الوحيد لإعادة بناء الفرد والمجتمع، وتأسيس دولة حديثة، فاعلة، واثقة، قادرة على تصحيح مسارها بصورة ديمقراطية وقادرة على تلبية متطلبات شعبها بعدالة ودون تمييز.


http://www.mql.cc/NewsDetails/PEOPLE39S-REVOLUTION-5541
ayman_asmr
 
Posts: 64
Joined: Mon Nov 10, 2008 3:59 pm


Return to Articles and Views/ مقالات وأراء

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 2 guests

cron