أسامة فاروق: نعمات البحيري الارت

أسامة فاروق: نعمات البحيري الارت

Postby montada » Wed Nov 05, 2008 5:25 pm

أسامة فاروق: نعمات البحيري الارتحال الأخير للؤلؤ

‮‬55‮ ‬عاما عاشتها الكاتبة نعمات البحيري منها خمس سنوات مع المعاناة من السرطان‮. ‬تركت نعمات العديد من المجموعات القصصية والروايات منها‮ "‬نصف امرأة‮"‬،‮ ‬"العاشقون‮"‬،‮ "‬ارتحالات اللؤلؤ‮"‬،‮ "‬ضلع أعوج‮"‬،‮ "‬أشجار قليلة عند المنحني‮"‬،‮ "‬حكايات المرأة الوحيدة‮" ‬وللأطفال‮: "‬النار الطيبة‮"‬،‮ "‬الفتفوتة تغزو السماء‮"‬،‮ ‬"وصية الأزهار‮"‬،‮ "‬بالونه سحر‮"‬،‮ "‬رسومات نيرمين‮"‬،‮ ‬"رحلة الأصدقاء الثلاثة‮" ‬كما نشرت قصصا وسيناريوهات متفرقة بدوريات مصرية وعربية‮.‬
لم تكن معاناة نعمات البحيري‮ ‬مع السرطان هي أولي تجاربها القاسية وان كانت أقساها علي الإطلاق،‮ ‬سنوات المعاناة علي كثرتها خلفت جسدا قادرا علي التحمل وروحا لا تنكسر بسهولة‮. ‬نجحت نعمات في توظيف معاناتها‮ ‬_إبداعيا‮- ‬فجاء أبرز ما خلفته من أعمال هو المستند علي خلفية اكبر من المعاناة،‮ ‬ربما لأنه كان نابعا من تجربة حقيقية كما أرادت هي دائما،‮ ‬فالإبداع الفعلي في وجهة نظرها هو التسجيل الصادق لما حدث بالفعل‮. ‬
خرجت نعمات البحيري من الدائرة الضيقة لمعاناتها لتتجاوب وتحارب لمعاناة الآخرين لذلك‮ ‬يري الشاعر‮ ‬شعبان‮ ‬يوسف‮ ‬انه لا‮ ‬يمكن حصرها في زاوية واحده،‮ ‬يقول شعبان إن جانبها الابداعي سيطر عليه الدفاع عن كافة أشكال العدل فيما‮ ‬يخص المرأة،‮ ‬ساعدها في ذلك تملكها لحس أنثوي مدهش منذ مجموعتها الأولي‮ "‬نصف امرأة‮" ‬التي صدرت عام‮ ‬1984‮ ‬ووضح فيها هذا الحس دون دعاية ودون الحديث عنه بشكل فج‮.‬
بنت البطة السوداء‮!‬
أسفر تبنيها لهذا الفكر كما‮ ‬يضيف شعبان عن مشاركتها‮ ‬في جماعة أسمتها‮ "‬جماعة أبناء البطة السوداء‮" ‬وشارك معها صفاء عبد المنعم وابتهال سالم وسحر توفيق وفتحي امبابي،‮ "‬وربما انتحرت هذه الجماعة علي قارعة العراقيل الشخصية التي‮ ‬يعج بها الواقع الثقافي‮". ‬بعد هذا الإخفاق لجأت إلي الإبداع‮ ‬وحده،‮ ‬وكانت رواية‮ "‬أشجار قليلة عند المنحني‮" ‬بمثابة صراخ فردي في عالم‮ ‬يضج بالمشكلات المتعددة،‮ ‬وكانت هذه الرواية أيضا تتنبأ بما حدث في العراق‮ "‬تحكي نعمات تجربتها هناك وقت أن ذهبت لتحصل علي مناخ نفسي مختلف لكنها اكتشفت أن الواقع هناك أكثر قتامة،‮ ‬فجاءت شبه هاربة شبه محطمة،‮ ‬وكتبت تجربتها مع المعاناة وقدمتها بقولها‮ :‬الحكاية أنني عشت هذه الحياة ولم أفهم جيدا لماذا حدث ما حدث ولماذا كنت المرأة التي كنتها ولماذا كان هو ذلك الرجل الذي كان‮".‬
يضيف شعبان:نكتشف من تلك الجملة تأكيد علي أن الرواية تتحدث عن نعمات البحيري الفاقدة لأي عدل علي الأرض والتي اختارت الإبداع لتسجل فيه كل أشكال الظلم الاجتماعي الذي‮ ‬يقع علي الكاتب المصري،‮ ‬تفضح نعمات وروايتها انه‮ ‬يكفي أن تكون مريضا في هذه البلد لتحصل علي أعلي درجات الاهانة،‮ ‬تكشف كيف‮ ‬يكون الكاتب متسولا ومهانا وذليلا في أروقة الدولة ومستشفياتها،‮ ‬وبشكل عام ترصد مأساة الكاتب عندما‮ ‬يمرض‮. ‬فلم تستطع وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب أن‮ ‬يحل أدني مشكلة لنعمات البحيري وتجركت لتعاني الكثير والكثير أمام موظف الدولة الغشيم الذي لا‮ ‬يعرف معني أن‮ ‬يكون الكاتب مريضا،‮ ‬فلا‮ ‬يكفيه ذل المرض فيضيف إليه ذل المعاملة‮.‬
نعمات نفسها كتبت أيضا حول هذا الأمر فتقول في‮ ‬يوميات امرأة مشعه‮:" ‬في أغلب مراكز ومستشفيات علاج الأورام تري موظفا،‮ ‬وبمجرد أن‮ ‬يري الموظف المريض منا حتي‮ ‬يصول ويجول في اختبار قدرته علي قهر البشر عبر تعليمات وإجراءات بيروقراطية‮. ‬وكأنه إعادة إنتاج للقهر الواقع عليه،‮ ‬أعلم أنهم‮ ‬يسقون الموظفين والموظفات قداسة الروتين والبيروقراطية بملعقة التكريس لمركزية السلطة الوظيفية،‮ ‬وربما لضمان نزح السيل الجارف من أموال التأمين الصحي‮. ‬هو موظف واحد‮ ‬يمسك بيده كل الخيوط والباقي ديكور ومناظر مرصوصة علي الجوانب وفي الزوايا والأركان‮. ‬وليس مهما‮ ‬إلا قهر المريض أو سحقه إلي أن‮ ‬ينهي لهم الإجراءات لكي‮ ‬يصبح بمقدوره أن‮ ‬يتلقي علاجا ليس له نتائج مؤكدة‮. ‬فالمرض خبيث ومراوغ‮".‬
تكريم بعد الفصل
الروائي‮ ‬فؤاد قنديل‮ ‬وصف رحيل نعمات البحيري‮ ‬"بارتحال‮ ‬اللؤلؤ‮" ‬وقال‮ :‬هل كانت تتحدث عن نفسها عندما اختارت عنوانا لافتا لإحدي مجموعاتها القصصية هو‮ ‬"ارتحالات اللؤلؤ"؟‮ ‬يجيب:بالطبع لم تكن تقصد شخصها،‮ ‬لكني أجدني ميالا لقول ذلك الآن وأنا في‮ ‬غمرة اسفي الشديد لرحيلها‮ ‬غير المفاجئ،‮ ‬فقد كنت وكنا نتوقعه علي مدي سنوات،‮ ‬إلا أنها بإرادة حديدية وبعون صادق وغير عادي من موهبتها القصصية تمكنت من مقاومة المرض بإباء،‮ ‬وكم حدثته بكبرياء وكم حدثتنا عنه باستهانة وإن لم تسخط عليه لأنه ابتلاء من الله لا قبل لنا في رده أو ازدرائه مع انه لعين ولا‮ ‬يعرف الرحمة أبدا،‮ ‬فكم اختطف منا الأحباب والموهوبين والنبلاء‮.‬
يتذكر قنديل‮: ‬قالت لي منذ عامين تقريبا ولا أتذكر المناسبة‮:‬
‮- ‬إنني نصف امرأة‮ ‬
قلت لها‮ : ‬لك مجموعة بهذا الاسم‮ ..‬هل نسيت؟‮. ‬دهشت ثم تذكرت فابتسمت‮. ‬قلت لها:أنا سعيد بمقاومتك‮.‬
قالت‮: ‬لن اسمح له أن‮ ‬يكبحني‮..‬طوال حياتي لم أرض أن تحاصرني سلطة أو حاجة ولا أن‮ ‬يتحكم في إنسان مهما كان،‮ ‬ولا ناشر ولا أتملق أحدا من أجل جائزة أو نشر قصة‮.‬
يضيف قنديل:سعيت لتكريمها في نادي القصة حتي وافق مجلس الإدارة،‮ ‬واتصلت بها لأخبرها بالخبر،‮ ‬قالت:لا أصدق‮.‬
قلت:تحدد اليوم فعلا وسيكون الجميع في إنتظارك
قالت:كيف‮ ‬يكرمني وقد فصلني؟‮!‬
دهشت من كلامها وتأكدت من صحته،‮ ‬إذ ظلت عدة سنوات لا تدفع الإشتراك،‮ ‬وأرسلوا لها طلبات كثيرة ولكنها كانت قد‮ ‬غيرت عنوانها،‮ ‬وعدت إلي مجلس الإدارة اعرض الحالة،‮ ‬فقالوا جميعا سنكرمها لأنها نعمات البحيري وسنجدد لها العضوية‮.‬
أشار قنديل إلي أن اللقاءات كثيرة وكلها محفورة في الذاكرة لأنها كما قال بلورة من عزة واعتداد بالنفس،‮ ‬تفيض بالقوة والمقاومة‮ "‬كانت موهبتها كالصخرة التي برغم العطش‮ ‬ينبثق فيها الزهر،‮ ‬كانت نعمات وستظل نموذجا فريدا للإرادة،‮ ‬وليعلم الموت انه لم‮ ‬يختطفها فقد حققت ما تريد تماما،‮ ‬وكتبت أعمالا قليلة لكنها مفعمة بالدفء والجمال،‮ ‬تسيل رقة وعذوبة‮ ‬،‮ ‬فاضت بها لغة شاعرية تجيد التصوير والتحليق والغوص في النفس البشرية لتستبطن ما فيها من أسي وشجن ولكنها برغم هذا كله كانت دائما تقول:أين‮ ‬ياتري‮ ‬يكمن الوطن؟‮".‬
معاناة لم تنقطع
ولدت نعمات البحيري بالقاهرة بحي العباسية البحرية في‮ ‬16‮/‬6‮/‬1953،‮ ‬ثم عادت مع أمها لتعيش طفولتها المبكرة في بيت جدها في تل بني تميم بشبين القناطر‮..‬قليوبية‮.. ‬تخرجت في كلية التجارة عام‮ ‬1976،‮ ‬جامعة عين شمس شعبة محاسبة‮.. ‬ظلت تعمل في شركة للكهرباء كأخصائية للشئون الإدارية حتي مرضت بفعل عوامل قهر الوظيفة وعوامل أخري في أكتوبر‮ ‬2004‭.‬. لكنها ظلت تقاوم اعتلال الروح لتقدم رؤيتها للعالم كتابة وحياة‮. ‬نعمات البحيري من جيل الثمانينيات في كتابة القصة القصيرة والرواية،‮ ‬كما أنها كانت عضوا في العديد من الهيئات مثل،‮ ‬اتحاد كتاب مصر،‮ ‬أتيليه القاهرة،‮ ‬نادي القصة،‮ ‬جمعية الفيلم‮. ‬وحصلت مؤخرا علي جائزة الدولة للتفوق في‮ ‬الأدب‮.‬
الكاتبة‮ ‬هالة البدري‮ ‬تصف رحلة نعمات البحيري بالمعاناة المتواصلة ربما لذلك كان الإصرار وقوة الإرادة هما أول ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يلمحه أي شخص عرف نعمات البحيري‮ "‬كانت كما عرفتها سواء من كتاباتها أو من خلال العلاقة الشخصية تعكس حياة بنت متمردة منذ طفولتها،‮ ‬ويستطيع أي قارئ لها أن‮ ‬يلتقط تلك الإشارات بسهولة‮". ‬كنا نطالبها بأن تكتب خارج حياتها-تضيف هالة‮- ‬وكانت ترفض بعنف لأنها تري أن الكتابة الحقيقية تكون من الجانب الشخصي والنظرة للحياة لابد أن تكون من داخل الذات،‮ ‬كانت تري أن كل ما هو عكس ذلك مزيف وغير حقيقي‮.‬
تقول هالة البدري:عاشت نعمات حياة فيها قهر إجتماعي وعلاقة‮ ‬غير متوازنة مع الرجل،‮ ‬وربما كان القهر عاما للجميع ليس للمرأة فقط فكلاهما‮ -‬الرجل والمرأة‮- ‬في أتون معركة ومن الظلم فصلهما عن بعضهما،‮ ‬وطوال طفولة نعمات وحتي شبابها لم‮ ‬يلعب الرجل دورا مضيئا في حياتها،‮ ‬تزوجت لفترة قصيرة من أحد الكتاب العراقيين،‮ ‬كانت تجربة سريعة مريرة وأظن أن تجاربها جميعا كانت تخرج بنفس النتيجة‮..‬قهر عام في نهاية كل تجربة بالإضافة للعوامل الاجتماعية المحيطة،‮ ‬وهو ما دفعها في طريق الكفاح بشكل عام،‮ ‬في السنوات الأخيرة كانت تنمو ثقافتها بشكل سريع وحقيقي وتكونت لديها رغبة صادقة في التجديد‮.‬
تقول‮ ‬هالة‮: ‬سجلت نعمات تجربة مرضها وهي في‮ ‬"يوميات امرأة مشعه‮" ‬رواية جيدة جدا وتسجيل في منتهي الصدق والحرارة لتظل نعمات مخلصة حتي النهاية للصدق والحقيقة حتي في أقسي درجات المعاناة وأظن أن هذه الرواية هي أفضل أعمالها علي الإطلاق‮. ‬
يؤكد الروائي‮ ‬يوسف أبو ريه‮ ‬أن نعمات خلقت‮ ‬من‮ ‬وحدتها إنتاجا‮ ‬أدهش الجميع،‮ ‬ومن خلال الوحدة أيضا تعلمت أن تبني علاقة مع الأشياء،‮ "‬كانت تحكي لي أنها وحيدة دائما منذ الطفولة ربما لأنها كانت متمردة دائما في مجتمع لا‮ ‬يقبل التمرد لكنها تحملت الوحدة بشجاعة ورفضت كل أشكال الظلم والقهر ربما لذلك كانت روايتها عن تجربتها في العراق من اصدق الأعمال التي سجلت تلك الفترة‮- ‬ربما لأنها عاشت وحدتها مرة أخري‮- ‬كمصرية داخل المجتمع العراقي في ظل نظام طاغ‮ ‬وظلم‮ ‬غير محدود‮. ‬
يضيف أبو ريه‮: ‬بمجرد أن علمت بإصابتها بهذا المرض اللعين بدأت في البعد خشية الصدمة،‮ ‬أو ربما لتقليل وقعها،‮ ‬ورغم ذلك لم انجح فالخبر المفجع آلمنا‮ ‬جميعا علي الرغم من‮ ‬توقعنا له منذ فتره‮.‬
montada
Site Admin
 
Posts: 123
Joined: Fri Oct 20, 2006 5:13 am


Return to Events / أحداث هامة

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 1 guest

cron