ندوة اليوم السابع تحتـفل بيوم ال

ندوة اليوم السابع تحتـفل بيوم ال

Postby جميل السلحوت » Sun Mar 14, 2010 9:07 pm

ندوة اليوم السابع تحتـفل بيوم الثقافة الفلسطينية وتحيي ذكرى مولد محمود درويش



القدس:الخميس11-3-2010من:جميل السلحوت خصصت ندوة اليوم السابع الدورية الاسبوعية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس الشريف جلستها هذا المساء لاحياء ذكرى مولد الشاعر الكبير الراحل محمود درويش،المولود في 13-3-1941في قرية البروة قضاء عكا،والذي اعتبر يوما للثقافة الفلسطينية.

اعطى مشرف الندوة جميل السلحوت كلمة البداية للطالبة الجامعية آية ابراهيم جوهر فقالت:

" قهوة درويشية "



لا أزال حتى هذه اللحظة ... أتجرّع بحسرة ومرارة ... فكرة أن شاعر الوطن وسيد الكلمة

"محمود درويش" لم يعد بيننا ... إنه فراغ روحي ... يشبه فقد جزء من الذاكرة ... فبغيابه ... مساحة الحزن قد ازدادت ... والأرصفة والشوارع الداخلية للروح باتت تفتقد وقع صوته يقول :

"من أنا لأخيّب ظن العدم" ؟



رحل درويش ورحلت معه أحلامي بإمكانية مقابلته يوما ما ... أصبت بخيبة أمل ... لكنّ التفاؤل عاد ليزور أفكاري التي تشتت وتبعثرت بغيابه ... فقد وقعت يداي على كتاب "سنكون يوما ما نريد" من إصدار وزارة الثقافة الفلسطينية ... والذي يتحدث في جزء منه عن السيرة الدرويشية ... شعرت أنني أتحدث مع درويش ... أزوره في بيته وأقرأ كتبه ... ولكم كانت سعادتي غامرة عندما قرأت العنوان الفرعي التالي:"عالم القهوة" ... عالم القهوة ؟ ؟ نعم ... فدرويش ... مبدع بقدر عشقه لهذا المشروب ... وهي التي يصفها بالمخدّر الذي ينبّهه كلّ صباح .



وأجمل ما في الأمر ... أنني شممت رائحة قهوته ... راقبت خيوط بخارها واحتسيتها أيضا ... علّمنا محمود درويش كيف كان يصنع قهوته ... وها هي الوصفة:

« ملعقة واحدة من البن المكهرب بالهال ... ترسو ببطء على تجاعيد الماء الساخن، تحركها تحريكاً بطيئاً بالملعقة، بشكل دائري في البداية، ثم من فوق إلى تحت. ثم تضيف إليها الملعقة الثانية، تحركها من فوق إلى تحت ثم تحركها تحريكاً دائرياً من الشمال إلى اليمين، ثم تسكب عليها الملعقة الثالثة، بين الملعقة والأخرى أبعد الإناء عن النار ثم أعده إلى النار. بعد ذلك «لقّم» القهوة أي املأ الملعقة بالبن الذائب وارفعها إلى أعلى ثم أعدها عدة مرات إلى أسفل، إلى أن يعيد الماء غليانه، وتبقى كتلة من البن ذي اللون الأشقر على سطح الماء، تتموج وتتأهب للغرق، لا تدعها تغرق، أطفئ النار ولا تكترث بالصواريخ ... خذ القهوة إلى الممر الضيق ... صبها بحنان وافتنان في فنجان أبيض ... فالفناجين داكنة اللون تفسد حرية القهوة ... راقب خيوط البخار وخيمة الرائحة المتصاعدة ... أشعل سيجارتك الآن ... السيجارة الأولى المصنوعة من أجل هذا الفنجان».

هذا هو الإبداع الحقيقي ... أن ترسم بالكلمات ما تفكـّر به ... كي يعيش معك القارئ ... ويشعر بنصـّك ... ويصبح جزءا منه .

نفتقد درويشا ... نفتقد حضوره المتألّق في مسارح باريس وقصر الثقافة في رام الله ... لقد ذهب مبدعنا ليكمل الغياب الذي نقصه ... لكنّ قهوته ستسكننا برائحتها وبخطوط بخارها إلى الأبد ... كما يسكننا هو بكلّ تفاصيله ... فشكرا لك درويش على كرم ضيافتك وعلى كلّ شيء.

وقدم الشاعر الدكتور وائل ابو عرفة الورقة التالية:

هكذا تنتهي القصص.....هكذا تبدأ

د. وائل أبوعرفة



كنت في حيرة من أمري، ماذا سأقول في هذا المساء . كي أبتعد قليلا عن أجواء الرثاء، والغوص في أحواض البكائيات،فهل نحن في أجواء احتفالية للميلاد يقضي صاحبها في حضرة الغياب، أم في وقفة للبكاء على أطلال ذكرى الوداع? فما بين لحظة الميلاد وسيمفونية الفراق، تتأزم أسئلة الشعر وإشكاليات خطاب الثقافة، لنصبح على مرمى تفاحة من ميلاد الروح واندثار الجسد،ناظرين بعين الريبة إلى تضاريس المنفى وحدود الغياب، فعلى مدى سنوات طويلة من عشقي المتناهي للشعر، وجدتني دون إرادة مني مترنحا بين آلاف القصائد ومئات الشعراء العزيزين على قلبي، من سيد شعراء العربية أبي الطيب المتنبي، وحتى آخر العمالقة محمود درويش، وما بين هذا وذاك، كان ارتباطي الروحي إلى درجة المقدس، المتغلب على غريزتي الشعرية، بكثير من الفرسان الذين أدموا قلبي بغيابهم عن ميدان الفروسية كل على طريقته، فكثيرون هم الذين أغلقوا الباب وغادروا المكان في بداية هذا القرن دون استئذان من أحد: (عبد الوهاب البياتي، ممدوح عدوان، محمد الماغوط، محمد القيسي، فدوى طوقان، نازك الملائكة، فتحي سعيد، وغيرهم وغيرهم)،ومن بين هؤلاء جميعا، كان لي الشرف الكبير وربما عن طريق المصادفة، أن أكون على علاقة خاصة، على المستويين الشعري والإنساني، بثلاثة من أقانيم الشعر والإبداع على مدى نصف قرن من الزمن،تعرفت شخصيا على أمل دنقل، هذا الشاعر الصوفي الفقير، في إحدى أمسيات نجيب محفوظ في مقهى ريش في القاهرة، وتتبعت كل نتاجه الرائع حتى آخر ما أبدعه في أوراق الغرفة رقم ثمانية في المعهد القومي لعلاج الأورام حيث كان يصارع المرض في صمت مخيف، ويكتب رائعته الخالدة لا تصالح، رأيته حينها هناك في نظرة ألم أخيرة، ودع بعدها الحياة، لأهدي إليه بعد ذلك بعشر سنين قصيدتي المتواضعة(رسالة لم يقرأها كليب ).

ومن بين الذين نزفوا قصائدهم بصمت ومرارة، ولم توفه الأوساط الثقافية حقه لا حيا ولا ميتا، كان الشاعر الفيلسوف عبد اللطيف عقل، لقد كان أبو الطيب فيلسوفا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وصاغ شعره بيتا بيتا بقطرات من دمه دون مواربة أو مداهنة، وهو القائل بعنفوان الشاعر:(هو الشعر حين يقاتل يزهو، وحين يداهن يكبو، وحين ينافق أقسى من الطعن في الخاصرة)،تعرفت إليه وأنا في سنوات الصبا، وودعته وأنا في سنوات الشباب، وما بين اللقاء الأول والوداع الأخير حفظته وحفظت شعره عن ظهر قلب، استضفته في آخر أمسية له في نقابة الأطباء، كانت أمسية مفعمة بحرارة الشعر وصدق الكلمة، وسط حضور كثيف يليق بشاعر أبدع في تلك الليلة بكل ما آتاه الشعر من قوة وعزيمة، اتصل بي بعد يومين من تلك الأمسية ليسألني إذا ما كان قد نسي نظارتيه على المنصة، فأجبته بأنهما لدي وسآتي بهما في أقرب فرصة إلى مسرح السراج الذي كان يعكف على تأسيسه وترميمه، إلا أنني بعد هذين اليومين كنت أمشي حزينا في وداعه الأخير في قريته الوادعة (دير استيا)، مرددا قول محمود درويش(طوبى لشيء لم يصل).

أما ثالث هؤلاء، فهو الذي نجلس اليوم في ذكراه، شاعر ملأ الدنيا وشغلها على مدى نصف قرن من الشعر والإبداع، في معهد العالم العربي في باريس، تعرفت شخصيا على محمود درويش،كانت تلك إحدى أمنياتي منذ حفظت قصائده وأنا تلميذ في المرحلة الثانوية، لمحته عن بعد وظننت أنني سألقى صعوبة بالحديث إليه، إلا أنني وجدت نفسي أحتسي معه القهوة على ضفاف السين برفقة أحد الأصدقاء العاملين في المعهد،كانت السماء صافية صفاء عاصمة النور، وكان السين هادئا أزرق يبعث في النفس شعورا بالحرية والأمل،تحدثنا كثيرا عن الشعر، الحداثة، وما بعد الحداثة، وكم كانت مفاجأة له أنني أحفظ الكثير من شعره عن ظهر قلب، حيث قال ممازحا:كأنك أنت قائل هذه الأبيات وأنا أستمع إليها لأول مرة، كم كان دمثا ومتواضعا وقليل الكلام إلى حد التصوف، لم يذم شاعرا ولا كاتبا مهما قل شأنه، أحب مثلي أمل دنقل وسعدي يوسف وسليم بركات، وتحدث كثيرا عن جده الأول أبي الطيب المتنبي، تحدثنا عن جغرافيا الوطن وعما تبقى مما كانت تسمى فلسطين. كانت الأسئلة كثيرة وكبيرة، كان غاضبا على ما تم الاتفاق عليه لحل قضية ساخنة في أبرد عواصم أوروبا، فكان مترددا بالعودة إلى ما سمّاه لاحقا، المتاح من الوطن، حيث قال فيما بعد:أتيت ولكن لم أصل، رجعت ولكن لم أعد،

بعد أمسيته الأخيرة الاستثنائية في قصر الثقافة في رام الله، اتصل بي قائلا: بحثت عنك ولم أجدك بين الحاضرين، اعتذرت لعدم حضوري بسبب انشغالي المهني، ولكنني ما زلت حتى هذه اللحظة نادما لعدم حضوري لأمسية درويشية كيف لي أن أعلم أنها ستكون الأخيرة؟ سافر محمود بعدها في رحلة اللاعودة بعد أن ودع أهله وأصدقاءه، ليعود لنا كما قال في بداياته، في كفن، كان لنبأ الرحيل على نفسي وقع الصاعقة، بكيت بكل أحاسيسي وجوارحي، ولا أذكر أنني بكيت على ميت كما بكيت في تلك اللحظة على محمود درويش، وبكيت مرة أخرى عندما رأيت شلة الانتهازيين والمتسلقين يتباكون عليه، ويتاجرون بأشعاره وهم الذين لم يقرأ أي منهم بيتا واحدا من شعره، فتذكرت قول نزار قباني في رثاء عبد الناصر(وراء الجنازة سارت قريش فهذا هشام وذاك زياد).

بعد الجنازة ، قفلت عائدا إلى القدس حزينا كئيبا، أردد في نفسي ما قاله فضل النقيب في رثاء غسان كنفاني:

(هكذا تنتهي القصص هكذا تبدأ).



المتتبع لشعر درويش، يدرك للوهلة الأولى أنه ولد شاعرا بامتياز، وهبته لنا الطبيعة خادما للشعر منذ السطر الأول في أوراق الزيتون، وحتى آخر سطر في قمة الإبداع والحداثة الحقيقية في لاعب النرد، ففي أوراق الزيتون الصادر سنة 1964، حدد هويته الأدبية ومفهومه لرسالة الشعر غير المجانية برسالة إلى القارئ:

غضب يدي غضب فمي ودماء أوردتي عصير من غضب

يا قارئي لا ترج مني الهمس لا ترج الطرب

هذا عذابي ضربة في الرمل طائشة وأخرى في السحب

حسبي بأني غاضب، والنار أولها غضب

في هذا الديوان كما في الذي تلاه(عاشق من فلسطين-1966)رسم لنفسه درب البدايات، حيث كانت قصائده ملائمة لشاعر شاب مليء بالوطنية والتحدي، وهو الذي ما زال يمسح عن كاهليه غبار وآثار النكبة، فكانت قصائده تحريضية بوضوح مما عرضه للاعتقال والملاحقة المتكررة حتى نزوله عن الكرمل مغادرا فلسطين الوطن سنة 1970.

آمنت بالحرف نارا لا يضير إذا كنت الرماد أنا أو كان طاغيتي

فإذا سقطت وكفي رافع علمي سيكتب الناس فوق القبر لم يمت

وقوله أيضا:

قصائدنا بلا لون بلا طعم بلا صوت

إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت

وان لم يفهم البسطاء معناها

فأولى أن نذريّها ونخلد نحن للصمت.

كتب إلى أمّه من السجن، وأعلن تحديه للجلاد، وذاق طعم الحرمان والتشرد، فلم يكن كما حاول البعض أن يشوه تاريخه وموهبته، شاعرا مرفها أفاد من قضية شعبه ليصنع تاريخه الشخصي، وهو القائل في بداياته:

شدّوا وثاقي وامنعوا عني الدفاتر والسجائر

وضعوا التراب على فمي، فالشعر دمّ القلب، ملح الخبز، ماء العين،

يكتب بالأظافر والمحاجر والخناجر

سأقولها في غرفة التوقيف، في الحمّام، تحت السوط، تحت القيد، في عنف السلاسل
مليون عصفور على أعناق قلبي، يخلق اللحن المقاتل.

كان لعدوان وحرب ال 1967 أثر بالغ عليه كما على غيره أبناء الشعب الفلسطيني كافة، مما شكل نقطة تحول في خطابيه الشعري والوطني. نشر ديوانه الثالث (آخر الليل) إهداء إلى مدينة القدس، وفيه عمّق إيمانه بالثورة الجديدة رافضا الخنوع والاستسلام والرجوع كغيره من الأدعياء:

وليكن.. لا بد لي أن أرفض الموت

وأن أحرق دمع الأغنيات الراهفة

وأعري شجر الزيتون من كل الغصون الزائفة

فإذا كنت أغنّي للفرح

فلأن العاصفة

وعدتني بنبيذ وبأنخاب جديدة

وبأقواس قزح

وكانت قصيدته الرائعة إلى فدوى طوقان:

نحن حل من التذكار فالكرمل فينا

وعلى أهدابنا عشب الجليل

لم نكن قبل حزيران كأفراخ الحمام

ولذا لم يفتت حبنا بين السلاسل

نحن يا أختاه من عشرين عام

لا نكتب أشعارا ولكنّا نقاتل

بعدها كان النزول عن سفح الكرمل، والرحيل القسري إلى حدود المنافي المختلفة، ليكون السفير المتجول الحقيقي لفلسطين، حاملا هموم شعبها وعبء قضيتها، مخاطبا إنسانية الذين تبلد فيهم الإحساس، رافعا صوت الفقراء والمحرومين:

نحن لا نسمع شيئا، قد سمعنا ألف عام

وتنازلنا عن الأرصفة السمراء كي نغرق في هذا الزحام

ونريد الآن أن نرتاح من مهنتنا الأولى،

نريد الآن أن تصغوا لنا،

فدعونا نتكلم:

نضع الليلة حدّا للوصاية

دمنا يرسم في خارطة الأرض الصريعة

كل أسماء الذين اكتشفوا درب البداية

كي يفروا من توابيت الفجيعة

فدعونا نتكلم

ودعوا حنجرة الأموات فينا تتكلم

كان لنزوله عن الكرمل انطلاقة كبيرة في صياغة مدلولات الشعر العربي الذي ساهم في وضعه على خريطة الشعر العالمي دون منازع، وفي حديث لجريدة المجاهد الجزائرية بعد وصوله القاهرة بأيام، قال بلغة الشاعر: ارحمونا من الحب القاتل، أن أسوأ ما يمكن أن يقدمه شاعر لقضية عظيمة، هو أن يكتب لها شعرا رديئا، وهناك يسأل نفسه(في القاهرة الساحرة، تحلم بأنك في الجنة، فتقوم في الليل وتفتح النافذة، لتتأكد من صحة الأبدية كلما رأيت النيل، لكن، لماذا نزلت عن الكرمل؟).

ويصرخ في وجه المنافي التي اعتاد عليها كما عشقته واعتادت عليه:

أحب البلاد التي سأحب

أحب النساء اللواتي أحب

ولكن غصنا من السرو في الكرمل الملتهب

يعادل كل خصور النساء

وكلّ العواصم

أحب البحار التي سأحب

ولكن قطرة ماء على ريش قبرة في حجارة حيفا

تعادل كل البحار

أدخلوني إلى الجنة الضائعة

سأطلق صرخة ناظم حكمت

آه يا وطني.

في بيروت كان للشعر عند درويش مذاق آخر، وكانت تحولات اخرى بقدر التحولات التي فرضتها المرحلة الفاصلة من تاريخ الثورة والقضية، لم يكن راضيا عن كل شيء، ولم يكن تابعا لأي شيء، كتب لبيروت وعنها، رثى ثلة من الشهداء وبكاهم، كان مهموما بالوطن حاملا كعادته عبء القضية، وكان بحق شاعر المهمات الصعبة، في بيروت كتب تلك صورتها وهذا انتحار العاشق، وكتب أعراس الذي وصف فيه الحرب بكل بشاعتها، ولم يداهن أو يساوم لا موقفا ولا شعرا حين أطلق قصيدته الاستثنائية أحمد الزعتر:

أحمد الآن الرهينة

تركت شوارعها المدينة

وأتت إليه لتقتله

ومن الخليج إلى المحيط من المحيط إلى الخليج

كانوا يعدون الجنازة وانتخاب المقصلة

أنا أحمد العربي فليأت الحصار

جسدي هو الأسوار فليأت الحصار

وأنا حدود النار فليأت الحصار

وأنا أحاصركم أحاصركم

وصدري باب كل الناس فليأت الحصار

إلى أن كان الخروج من بيروت والذي توجه بقصيدته التسجيلية الوثيقة مديح الظل العالي، (ولولا هذه الدول اللقيطة لم تكن بيروت ثكلى) واعترافه بأخطاء الثورة التي تأكل أبناءها:

(وسأعترف

بجميع أخطائي

وما اقترف الفؤاد من الأماني

ليس من حق العصافير البكاء على سرير النائمين.)

( صبرا برا تقاطع شارعين على جسد

صبرا نزول الروح في حجر

وصبرا لا احد

صبرا هوية عصرنا حتى الأبد).

( يبذل الرؤساء جهدا عند أمريكا لتفرج عن مياه الشرب

كيف سنغسل الموتى

ويسأل صاحبي:

وإذا استجابت للضغوط

فهل سيسفر موتنا عن دولة أم خيمة؟

قلت انتظر، لا فرق بين الرايتين).

يصور الخروج الثاني من بيروت، يرفض الخروج، لان بيروت ليست حيفا، وكان عليه أن يقول ذلك هناك، فيخجل من تصويب الخطأ بالخطأ، بأنه لن يخرج عن طريق البحر،

( بوسعك الآن أن تحصي دقات القلب، في الوداع الحزين لثورة تبحث عن طريق أبعد، للوصول إلى أرضها التي كانت على مرمى تفاحة).

( في السيارة ذات الحصانة الدبلوماسية، التي هربتك من بيروت إلى دمشق، قال لك السفير الليبي: لو عرفت جزءا مما أعرف، لكفرت باللغة العربية، قلت له شكرا، وشرقت بأحرف العلة، ولم تبك هذه المرة، لأن الدمع والنار لا يجتمعان في عين واحدة، ولا في عبارة واحدة).

بعد بيروت كانت مرحلة من المنافي البعيدة ما بين فيينا وباريس، وترحالا مؤقتا في بعض عواصم العرب التي عاتبها بعد الخروج قائلا:( وأمد أضلاعي فيهرب من يدي بردى، وتتركني ضفاف النيل مبتعدا، وأبحث عن حدود أصابعي في الأرض، فأرى العواصم كلها زبدا).

في فترة المنافي الثانية، كتب درويش ما يمكن وصفه بأجمل قصائده وأشعاره، من حصار لمدائح البحر 1984 ، وحتى أحد عشر كوكبا مرورا بهي أغنية وورد أقل (1986) وأرى ما أريد (1992). في هذه الكوكبة كانت هناك مراجعة للتجربة وحسابا للنفس واستذكارا للشهداء ورفاق الدرب الغائبين، مراثي مطولة لعز الدين القلق، وماجد أبو شرار، ومعين بسيسو. وقصائد كثيرة مفعمة بالحزن والأمل هي الأكثر شيوعا وترديدا على لسان قرائه ومحبيه:

- على هذه الأرض ما يستحق الحياة

- ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا

- وما زال في الدرب درب وما زال في الدرب متسع للرحيل

- أنا من هناك ولي ذكريات

- عندما يذهب الشهداء إلى النوم أصحو، وأحرسهم من هواة الرثاء، أقول لهم تصبحون على وطن.

كان رثاؤه لماجد أبو شرار ملحمة فلسطينية خالصة، تطرق فيها إلى صديقه وتوأمه، راجع فيها حدود الوطن المفقود في صراعات اللغة وهوامش الانكسار، ودعا إلى وحدة الدم والجسد، في وقت كانت فيه بوادر الانقسام واقتتال الإخوة على أشدها، وكان أيضا لقاؤه الأول مع جراحة قلبه المتعب:

صباح الخير يا ماجد

صباح الخير

قم اقرأ سورة العائد وحث السير

إلى بلد فقدناه بحادث سير

صباح الورد يا ماجد

صباح الورد

قم اقرأ سورة العائد

وشد القيد

على بلد حملناه كوشم اليد

إلى قوله:

تجمع أيها الدم الفلسطيني في واحد

تجمع واجمع الساعد

لنكتب سورة العائد



بعد عودته إلى المتاح من الوطن، كانت عشر سنوات من الشعر والإبداع اللامتناهي في سباق مع الزمن، أصدر خلالها كما هائلا من المشاعر والأحاسيس المتصارعة في بوتقة اللغة، راجع ذكريات التشرد والخروج والمنافي، أرّخ للهجرة والتهجير وضياع الوطن، تحدث عن مآسي المرحلة بوضوح، رثى نفسه قبل الرحيل، تحدى الموت مرة أخرى بعد لقائه الثاني مع جراحة القلب المنهك في جدارية لا أجمل ولا أروع، ورثى كثيرا من الغائبين قبله في نثريات أقرب ما تكون إلى الشعر( توفيق زياد، إميل حبيبي، ممدوح عدوان، إبراهيم أبو لغد، ادوارد سعيد، وسليمان النجاب).

في هذه السنوات العشر كان ميلاد سرير الغريبة، المجموعة التي اختلف النقاد والقراء في تفسير مكنوناتها، مجموعة تخلط ما بين الغريبة المنفى، والغريبة الحبيبة، فيها كانت ذاكرة المنفى هي البديل لذاكرة الوطن في حضن الحبيبة الغريبة:

صرنا خفيفين مثل منازلنا في الرياح البعيدة

صرنا صديقين للكائنات الغريبة بين الغيوم

وصرنا طليقين من جاذبية أرض الهوية

فماذا سنفعل من دون منفى وليل طويل

وفي سرير الغريبة يكتب أيضا عن الحب والرومانسية كما عنه في مطولته الرومانسية الرائعة، يطير الحمام، فمن قال أن الشاعر الفلسطيني ليس من حقه أن يجلس على تلة ويتأمل الغروب، وأن يصغي إلى نداء الجسد أو الناي البعيدة، إلا إذا ماتت روح المكان في روحه، وانقطع حبل السّرة بينه وبين فطرته الإنسانية.

بكوب الشراب المرصع باللازورد انتظرها

على بركة الماء حول المساء وزهر الكولونيا انتظرها

بصبر الحصان المعد لمنحدرات الجبال انتظرها

بذوق الأمير الرفيع البديع انتظرها

بسبع وسائد محشوّة بالسحاب الخفيف انتظرها

تحدث إليها كما يتحدث ناي إلى وتر حائف في الكمان،

كأنكما شاهدان على ما يعد غد لكما وانتظرها

ولمّع لها ليلها خاتما خاتما وانتظرها

إلى أن يقول لك الليل

لم يبق غيركما في الوجود

فخذها برفق إلى موتك المشتهى وانتظرها.

في أعماله المتميزة الأخيرة، بدا في سباق مع الزمن، خشية أن يفاجأه الموت قبل إكمال مشروعه الشعري الوطني الرائد، مكثفا كل أدواته الإبداعية الخلاقة، خصوصا في مجموعتيه الاستثنائيتين بلا منازع: لا تعتذر عما فعلت وكزهر اللوز أو أبعد، وحتى آخر أعماله النثرية الأقرب إلى الشعر منها إلى النثر، في حضرة الغياب وأثر الفراشة والقصيدة الأخيرة التي سرد فيها سيرة حياته بامتياز، لاعب النرد.

أرّخ للقضية، تحدث عن النكبة، عاد بنا إلى الوراء كي لا ننسى، مر بنا عبر كل المنافي القريبة والبعيدة، وصف لنا يوميات الحصار فيما تبقى لنا من وطن، أفهمنا أننا لسنا ملائكة كما ندعي واستراح إلى الأبد.



( أسرجوا الخيل،

لا يعرفون لماذا

ولكنهم أسرجوا الخيل في آخر الليل،

وانتظروا شبحا طالعا من شقوق المكان).

لم يكن ذلك الطفل يعرف حينها، معنى المكان، ولا تفاصيل اللغة، ولا جهة الرحيل عندما أتت الشاحنات من البحر، لحمله ومن معه إلى المجهول، كان يعرف أن هذا المكان الوطن، إنما هو رائحة التبغ حول عباءة الجد، ورائحة القهوة الأبدية، وصهيل الحصان، وساحة لعب يفكر بالرجوع إليها حالما تهدأ العاصفة.

( سنرجع حين يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد

ومن يسكن البيت من بعدنا يا أبي ؟

سيبقى على حاله مثلما كان يا ولدي

لماذا تركت الحصان وحيدا؟

لكي يحرس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها)

هنا تبدأ ملحمة المنافي والشتات، في ذاكرة الطفل الذي ولدته أمه عند البئر، أما الرياح فهي التي ربته بعد أن خرج من دائرة الجاذبية إلى دائرة الفضاء اللانهائي البعيد:

( هل سنبقى إذا ههنا يا أبي؟

تحت صفصافة الريح، بين السماوات والبحر ؟

يا ولدي كل شيء هنا سوف يشبه شيئا هناك.

سنشبه أنفسنا في الليالي.

ستحرقنا نجمة الشبه السرمدية.

في لماذا تركت الحصان وحيدا، الديوان المفعم برائحة الأمل والمأساة، وفي كل كلمة وسطر، يبعدنا درويش من جاذبية الوطن، ويقربنا منه بقدر ما نبتعد عن دائرة المنفى ونقترب من دائرة الحلم الأبدي، ليصير كل شيء هناك شبيها لكل شيء هنا.

( سنقطع عما قليل غابة البطم والسنديان الأخيرة

هذا شمال الجليل ولبنان من خلفنا، والسماء لنا كلها،

من دمشق إلى سور عكا الجميل

هل تعرف البيت يا ابني؟

- نعم يا أبي، خلف خروبة الشارع العام،

درب صغير يضيق بصبارة في البداية،

ثم يسير إلى البئر أوسع أوسع،

ثم يطل على كرم عمي جميل

وهل تعرف البيت يا ابني؟

- مثلما أعرف الدرب أعرفه،

ياسمين يطوق بوابة من حديد ودعسات ضوء على الدرج الحجري،

وعباد شمس يحدق فيما وراء المكان،

ونحل أليف يعد الفطور لجدي على طبق الخيزران

وفي ساحة البيت بئر وصفصافة وحصان) .

بعد هذا السرد الملحمي يعود درويش في حركة دائرية إلى محيط جاذبية المكان، بعد رحلة سندبادية تعدت كل المسافات الممكنة، ليدخل من النافذة الخلفية لما أتيح له من بقايا وطن، حيث قابل نفسه بفجيعة أبي تمام – لا أنت أنت ولا الديار هي الديار- وكأن الوطن في هذه المرة هو الوجه الآخر للمنفى، قريبا من القلب، بعيدا عن العين، كزهر اللوز أو أبعد، فمن ذاكرة المنافي، إلى خريطة المكان والهوية، يرسم سيرتنا الهلالية بأحرف من دمع ودم، ويطوف بنا في مجازات أكبر من كل المقامات المتناثرة على هوامش التاريخ، راثيا نفسه من لحظة الميلاد الأولى، إلى لحظة ما قبل الغياب، كي لا يقول غيره فيه ما لا يريد سماعه، فلا الرحلة ابتدأت، ولا الدرب انتهى، وكل ما سيكون كان، فمن النزول عن الكرمل، إلى حيرة العائد، كان يحمل في قلبه المتعب كل هموم الوطن واقفا في الوداع الحزين لثورة تبحث عن طريق أبعد للوصول إلى أرضها التي كانت على مرمى تفاحة، حاملا على كاهله عبء الفراشة، وعلى بعد أمتار من المنفيين يقول(أتيت ولكن لم أصل، وجئت ولكن لم أعد).

في أثر الفراشة، يختلط الشعر بالنثر، في يوميات ليست ككل اليوميات، وإنما سرد عبقري بلغة الروح، ونبضات القلب المتعب. مجموعة من المجازات والصور المحلقة أيما تحليق، من صرخة فتاة على شاطىء البحر الضيق، إلى التشييع اليومي لجنازات يتجدد أصحابها، ولا يتغير من حولهم أي شيء سوى الولوج الجديد إلى منافي القلب والرئة البعيدة، وغبار الفوضى وأحلام جديدة :

( أعترف بأني تعبت من طول الحلم الذي يعيدني إلى أوله والى آخري، دون أن نلتقي في أي صباح،سأصنع أحلامي من كفاف يومي لأتجنب الخيبة، فليس الحلم أن ترى ما لا يرى، على وتيرة المشتهي، بل هو أن لا تعلم أنك تحلم، لكن عليك أن تعرف كيف تصحو) (أنا هنا مع أربعين شخصا، لمشاهدة مسرحية قليلة الكلام عن منع التجول، ينتشر أبطالها المنسيون في الحديقة وعلى الدرج والشرفة الواسعة، أسترق النظر إلى نافذة غرفتي المفتوحة وأتساءل: هل أنا هناك؟ ويعجبني أن أدحرج السؤال على الدرج، وأدرجه في سليقة المسرحية: في الفصل الأخير سيبقى كل شيء على حاله، شجرة التين في الحديقة، الكنيسة اللوثرية، والبئر المهجورة والدلو الصدئ، أما أنا فلن أكون في غرفتي ولا في الحديقة، هكذا يقتضي النص، لا بد من غائب للتخفيف من حمولة المكان).

لماذا هذا الوداع المنهك للقلب، لترى نفسك غائبا قبل أن تغيب، وكيف لم تنس أن تمر على كل صغيرة وكبيرة في حديقة الوطن الضائع قبل الوداع، فأطلت في وصف الجدار، وتحليل شريعة الخوف حين ينظر القاتل مرتجفا إلى شبح القتيل، فلا تملك إلا أن تضحك، وتمشي على قلبك حنينا إلى النسيان وحنينا إلى منفى آخر دون أرض أو سماء:

( على قلبي مشيت كأن قلبي

طريق أو رصيف أو هواءُ.

فقال القلب أتعبني التماهي

مع الأشياء وانكسر الفضاء

وأتعبني سؤالك أين نمضي

ولا أرض هناك ولا سماء

تغوص في أعماق قلبك، تنتزع الذكريات بحلوها ومرارتها، تعرج على بيروت لتسألها من أين الدخول إلى نوافذ قرطبة؟ تخرج من أبواب القدس لنعلم منك أننا لسنا ملائكة كما ندعي، ونكذب على أنفسنا حين نقول أننا استثناء.

أخبرتنا أننا منذ اليوم غيرنا، يوم كشفنا عن عوراتنا أمام الملأ، كي لا تبقى حقيقتنا عذراء، غادرتنا مرة أخرى من على قمة الكرمل، لتعود منذ الآن أنت، ولتبق فينا من بعدك، أثرك الذي لا ينتهي: أثر الفراشة

أثر الفراشة لا يرى ...أثر الفراشة لا يزولُ

هو جاذبية غامضٍ .... يستدرج المعنى ويرحل، حين يتضح السبيلُ

هو خفة الأبدي في اليومي.. أشواقٌ إلى أعلى، وإشراق جميلُ

هو شامة في الضوء تومىء، حين يرشدنا إلى الكلمات باطننا الدليلُ

هو مثل أغنية تحاول أن تقول، وتكتفي بالاقتباس من الظلال ولا تقولُ

أثر الفراشة لا يرى.... أثر الفراشة لا يزولُ

محمود درويش: من أثر الفراشة، إلى حضرة الغياب،

هيت لك، من أجملك

قل للغياب نقصتني

وأنا حضرت لأكملك.

أما الأديب محمود شقير فقد قدم ورقة بعنوان:

محمود درويش.. السيرة الذاتية بأسلوب مختلف

1

لم يكتب محمود درويش سيرة ذاتية بالمعنى المألوف للمصطلح، مع أن جوانب من حياته مبثوثة في شعره وفي بعض أعماله النثرية. ولم يكتب محمود درويش رواية، مع أنه كان ناثراً متفوقاً، وقارئاً نهماً للروايات. حينما سأله عبده وازن: "هل فكرت يوماً في أن تكتب رواية مثل الكثير من الشعراء الذين كتبوا الرواية على هامش شعرهم؟ أجاب: مع حبي غير المحدود للرواية لم أفكر يوماً في كتابتها. لكنني أغبط الروائيين لأن عالمهم أوسع. والرواية تستطيع أن تستوعب كل أشكال المعرفة والثقافة والمشاكل والهموم والتجارب الحياتية. وتستطيع أن تمتص الشعر وسائر الأجناس الأدبية وتستفيد منها إلى أقصى الحدود."1

وفي الحوار نفسه يتحدث محمود درويش عن كتاباته النثرية. يقول: "كتبت الكثير من النثر لكنني ظلمت نثري لأنني لم أمنحه صفة المشروع. أكتب نثراً على هامش الشعر أو أكتب فائضاً كتابياً أسميه نثراً. ولكن لم أولِ النثر الأهمية التي يستحقها، علماً أنني من الشديدي الانحياز إلى الكتابة النثرية. والنثر لا يقل أهمية عن الشعر. بل على العكس، قد يكون في النثر مساحة من الحرية أكثر من الشعر".2

من يدقق في هذا الكلام المنوه عنه أعلاه، يدرك أن درويش ظلم نثره بالفعل لأنه لم يمنحه صفة المشروع، لكنه ظلم نفسه أيضاً وهو يقول: إنه كان يكتب نثراً على هامش الشعر، أو أنه كان يكتب فائضاً كتابياً يسميه نثراً. فالنثر كان له دور غير قليل في تجربة محمود درويش الكتابية. ذلك أن درويش عمل طويلاً في الصحافة وفي الدوريات الثقافية، وتبوأ مواقع مسؤولة في صحف ودرويات، كانت آخرها مجلة الكرمل التي كان رئيس تحريرها مدة خمس وعشرين سنة.

وهو لم يكن يستغني لحظة عن كتابة النثر، سواء للصحف أم للدوريات، ومارس طويلاً كتابة المقالة السياسية، والمقالة الفكرية، والنص الأدبي، كما مارس كتابة الرسائل التي تبادلها مع الشاعر سميح القاسم، وكانت تنشر تباعاً في مجلة "اليوم السابع" ثم نشرت فيما بعد في كتاب. وألقى كلمات ومداخلات فكرية وأدبية وسياسية في مناسبات شتى. في رثاء الراحلين من أصدقائه القادة السياسيين ومن المثقفين والكتاب والفنانين، في حفلات التكريم أثناء منحه الجوائز الأدبية أو أثناء توقيع كتبه، أو أثناء مشاركته في الندوات الثقافية وغير ذلك كثير، وهي الكلمات والمداخلات التي اصطفى منها ما نشره من مقالات مختارة في كتابه "حيرة العائد"3. وكان من قبل قد اصطفى من مقالاته التي نشرها في صحف ومجلات مثل "السفير" و "الوطن العربي" و "اليوم السابع"، ومن الافتتاحيات التي نشرها في مجلتي "شؤون فلسطينية" و"الكرمل"، ما نشره في كتابه: "في وصف حالتنا"4 .

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإن كتاب "ذاكرة للنسيان" الذي سأتطرق له بتفصيل أكبر، يعتبر عملاً أدبياً مهماً، تتخلله مشاهد من السيرة الشخصية لمحمود درويش، علاوة على استيعابه لأشكال أخرى من المعرفة والثقافة والقضايا التي تجعله من بعض الوجوه، يتقاطع مع فن الرواية ويستفيد من تقنياتها إلى حد كبير.

وقد يسأل سائل: لماذا لم يكتب محمود درويش سيرته الذاتية على غرار بعض الكتاب الفلسطينيين والعرب؟ وسيجد الجواب في كتابات محمود درويش الشعرية والنثرية، سيرى بعض تفاصيل هذه السيرة، مبثوثاً هنا وهناك على نحو خافت حيناً، وعلى نحو واضح حيناً آخر. بل إن كثيراً من شعر محمود درويش ونثره مبني على وقائع من حياته الشخصية، ولا يندر أن نجد ذكراً لأمه ولأبيه ولجده ولبعض إخوته في قصائده وفي بعض أعماله النثرية. ولا يندر أيضاً أن نجد وقائع محددة عاشها محمود درويش، تتكرر في غير كتاب من كتبه، مع توظيف مختلف لها في كل مرة، أو تناول أكثر غنى وامتلاء في كل مرة.

ولعل التصريح الأكثر دلالة حول السيرة الذاتية للشاعر، ما ورد في كتابه "في حضرة الغياب"5 حينما كان يستمع إلى الخطابات التي ألقيت في حديقة البيت الأبيض الأمريكي أثناء الاحتفال بتوقيع اتفاق أوسلو بتاريخ 13 / 9 / 1993. قال محمود درويش وهو يخاطب نفسه: "لكن اللغة التي تسمعها تعيد قلبك إلى صوابه: لا، ليست هذه لغتي. فأين بلاغة الضحية التي تسترجع ذاكرة عذابها الطويل، أمام شقاء اللحظة التي ينظر فيها العدوّ في عين العدوّ ويشدّ على يده بإلحاح؟ أين أصوات القتلى السابقين والجدد الذين يطالبون باعتذار لا من القاتل فحسب، بل من التاريخ؟ أين حيرة المعنى في لقاء الضدّ بالضد؟ وأين الصرخة الملازمة لعملية جراحية يُبْتَرُ فيها الماضي عن الحاضر في مغامرة السير إلى غد ملتبس... وأين لغتي؟"ص142 . ثم يقول بعد ذلك مباشرة: "ألهذا كان ردك الشخصي هو الدفاع الشعري عن الحبكة والذاكرة؟ فكتبت أصداء سيرة شخصية- جماعية، وتساءلت: لماذا تركت الحصان وحيداً؟" ص142

ولعلنا نلاحظ انطلاقاً من التصريح نفسه المنوه عنه أعلاه، أن درويش لم يذهب إلى حد كتابة سيرة وإنما أصداء سيرة. ولنتذكر أن نجيب محفوظ أيضاً لم يكتب سيرته الذاتية بعد رحلة طويلة مع الكتابة الروائية والقصصية، بل إنه بادر في سنواته الأخيرة إلى كتابة "أصداء السيرة الذاتية".

وأثناء تتبعي لملامح السيرة الذاتية في ثلاثة من كتب محمود درويش هي: يوميات الحزن العادي6، ذاكرة للنسيان7، وفي حضرة الغياب، لا بد لي من التذكير بأمر بات معروفاً، وهو أن محمود درويش مال على نحو بارز في كتابيه " في حضرة الغياب" و "أثر الفراشة"8، إلى المزج بين الشعر والنثر في صياغات جديدة، لا تكتفي بالشعر وحده ولا بالنثر وحده. وقد تحدث عن ذلك صبحي حديدي، مؤكداً على أن النثر الشعري كان موجوداً في أعمال أدبية سابقة لمحمود درويش، وانطلاقاً من ذلك يقول: "ومن جانبي كنت أرجّح أنّ ما في جعبة درويش من جديد في سياقات هذا الإشتغال، وربما في صيغة "النصّ الشعري المفتوح" تحديداً، وافر وغنيّ، على نحو أتاح لي أن أغامر باجتراح نبوءة من نوع ما، مفادها أنّ هذا الإنهماك سوف يثمر المزيد من الأعمال ضمن الأسلوبية ذاتها. ولم يطل الوقت حتى صدرت مجموعة "في حضرة الغياب"، 2006، ويوميات "أثر الفراشة"، 2008؛ وفيهما يبلغ التواشج بين شعرية النثر ونثر الوزن أوجاً غير مسبوق، ضمن تصميم من جانب الشاعر، عالي القصدية وحصيف الموازنة. ولقد رحل درويش في طور مبكّر من ارتقاء ذلك التواشج، ولم يغادرنا في إهاب شاعر كبير فحسب، بل كان ويظلّ أحد كبار ناثري الوزن في تاريخ الشعر العربي؛ وهمو ليسوا كثرة، للأسف، بل قلّة قليلة!" 9



2

في كتابه "يوميات الحزن العادي"، يكتب محمود درويش عن معاناة الناس في فلسطين 1948 / وفي فلسطين 1967.كانت صورة المعاناة ما زالت متوقدة في ذهنه، فهو حديث عهد بالخروج من هناك، وهو يعيش سنواته الأولى في المنفى الذي دفعته إليه معاناته الشخصية من سجانيه وقامعي حلمه الذين هدموا قريته وأقاموا على أنقاضها مستوطنة. يكتب عن مذبحة كفر قاسم مثلما يكتب عن القدس وغزة.

يكتب نصاً على شكل حوار يجريه شخص مع شخص آخر أو مع نفسه، وهو يضمّن النص مقاطع من سيرته الذاتية، حينما اضطر إلى النزوح مع أفراد أسرته، من قريتهم والتوجه إلى الشمال، نحو لبنان والبقاء فيه ما يقارب العام، ثم العودة تحت جنح الصمت والظلام إلى القرية التي لم يعد لها وجود، والعيش في البلاد بشكل "غير مشروع" من وجهة نظر الذين اغتصبوا البلاد. هذه المقاطع من السيرة يذكرها محمود درويش في هذا الكتاب على نحو قريب من الصيغة الإخبارية، حيث الوقائع المتسمة بالوضوح، وذلك انصياعاً لمنطق الكتاب الذي تتخذ مادته السياسية وتأملاته في الحياة واستخلاصاته من التجربة المعيشة، شكل النص الواقعي الذي لا ينتبه إلى الاقتصاد في اللغة، حيث في هذه الحالة المعنية لا داعي للاقتصاد، بل من واجب الراوي أن يروي حكايته بتمهل وبتفصيل وإسهاب. وجماليات اللغة تقع هنا في المحل الثاني من اهتمام الكاتب. ثمة جماليات وثمة شعرية في لغة النص (التكرار لخلق إيقاع شعري/ مثلاً: هنا ينامون ص81) ، لكنها ليست مطلوبة إلى الحد الأقصى الذي نجده في كتاب "في حضرة الغياب" حينما نقارن ما كتبه عن الخروج إلى لبنان في هذا الكتاب الأخير وفي الكتاب الذي نتحدث عنه الآن.

"كنا ننتظر انتصار الجيوش العربية على الغزاة خلال أسابيع ونعود بعدها إلى البروة. لم نسكن مخيماً، مررنا في رميش، ثم بتنا ليلة في بنت جبيل التي ازدحمت بصراخ المنفيين وكانت حظيرة بشرية. كانت الليلة الثانية التي نبيتها خارج البيت. الليلة الأولى كانت في أحد مضارب البدو في الجليل حيث أكل عشرات من "الضيوف" بيضاً مقلياً من إناء واحد. وفي جزين –حيث أقمنا- رأيت السواقي التي تسكن البيوت، ورأيت الشلال. وحين اشتد البرد هناك انتقلنا إلى الدامور وعبرنا كروم الموز، ولعبنا على الشاطئ، وسبحنا في البحر. عبرت الشارع الواسع يوماً قبل أخي الذي لحق بي، فضربته سيارة لم تصبه بجروح ولكنها أصابته بذهول لم ينج منه إلا بعد سنين." (يوميات الحزن العادي ص17)

بينما "في حضرة الغياب" جرى التعبير عن النزوح إلى لبنان، بنثر يضاهي الشعر في جمالياته، إذ يقول وهو يخاطب نفسه: "تنتحي ركناً قصياً على صخرة مهجورة على البحر اللبناني. تبكي كأمير صغير أنزلوه عن عرش الطفولة، قبل أن يُلَقِّنُوه فِقْهَ الرُشْد التدريجيّ، ودرس الجغرافيا الضروريّ لمعرفة المسافة بين "هنا" و "هناك": يا بحر، يا بحر... ولا تفلح في تركيب النداء الكافي، لكن حرف الحاء يدرّب الحلق على بُحَّة الملح: يا بحر، يا بحر! وتبكي، فيذوب قليل من الملح الصاعد إلى العينين، وتتضح وُجْهة النداء: يا بحر، يا بحر.. خذني إلى هناك." ص39

في كتاب "يوميات الحزن العادي" يستخدم محمود دوريش عدداً من الوسائط الفنية التي تخدم فكرته، وتساعده على إيصالها إلى القارئ. من بينها إدخال السيرة الشخصية في بنية الخطاب السياسي ومزجهما معاً، حيث إن ثمة تجاوراً بين السيرة والخطاب، فالسيرة الشخصية وما تتضمنه من معاناة إنما هي ناتجة عما ارتكبه المحتلون بحق الشخص الكاتب وبحق وطنه المستباح، والخطاب السياسي إنما هو وصف وتحليل وتفكيك وإعادة تركيب لما جرى لفلسطين جراء الغزوة الصهيونية في العام 1948 وفي العام 1967 .

إلى جانب ذلك، يكثر محمود درويش من الاتكاء على صيغة الحوار الذي يخفف من وطأة المادة السياسية التي يقصد الكاتب تمريرها إلى وعي القارئ، فالحوار الذي يشتمل على قدر من البراعة والرشاقة، يضفي حيوية على المادة السياسية ويحولها من مادة يجري الإخبار عنها إلى مشهد متحرك قابل للتشويق وللإثارة. وحينما لا يلجأ درويش إلى أسلوب الحوار فإنه يستعين بأسلوب السرد القصصي، ويتناول سيرة أشخاص أو وقائع من حياة أشخاص معروفين من لحم ودم من أبناء شعبه، أو من الطرف الآخر الذي يمارس ضد الشعب الفلسطيني القهر والاحتلال.

وهو يستخدم في هذا الكتاب وفي غيركتاب من كتبه، ضمير المخاطب ليتناوب على السرد مع ضمير المتكلم، ما يجعل السرد بعيداً عن الرتابة وإثارة الملل.

"وليلتها لم تفهم شيئاً، سألت أباك، فنهاك عن السؤال لأنك صغير، وضعوك في قرية مجاورة وذهبوا. وأستاذ التاريخ ينبئك بأنهم لم يطردوا أحداً. وفي جنوب لبنان تصبح لاجئاً تأكل من وكالة الغوث، وتنتظر العودة." ص35

وفي هذا الكتاب، نلاحظ سعة اطلاع محمود درويش على الأدب العبري، وعلى الفكر الصهيوني كما تجلى في كتابات قادة صهاينة ومنظرين للفكرة الصهيونية. ولا يندر أن يجد درويش في هذا الكم من الكتب والكتابات، ما هو إيجابي وما يدلل على نظرة موضوعية، وعلى ما يشير إلى "صرخة ضمير نادرة أطلقها أديب إسرائيلي قبل أكثر من عشرين سنة، تعطي تحديداً دقيقاً لحقيقة مفهوم الوطن" ص37 . ويقتطف من كتاب "خربة خزعة" للكاتب الإسرائيلي يزهار سميلانسكي ما يلي: "اسمع.. يأتي المهاجرون، ويأخذون هذه الأرض، وتصير جميلة. نفتح حانوتاً، ونبني مدرسة، وكنيساً. وستكون هنا أحزاب، وسنتناقش حول عدة أمور. سنحرث الحقول ونزرعها ونحصدها. وتحيا خزعة العبرية! ومن سيتصور أن خربة خزعة كانت هنا. طردناهم وورثناهم. جئنا، أطلقنا النار، حرقنا، نسفنا، ونفينا". ص37

في هذا الكتاب تظهر مقاطع أخرى من السيرة الذاتية لمحمود درويش: الاعتقال، السجن، الإقامة الجبرية والذهاب إلى مخفر الشرطة في حيفا مرتين كل نهار لإثبات الوجود. وتظهر مفارقات الوضع الذي كان يعيشه محمود درويش مع البقية الباقية من أبناء شعبه الذي ظلوا مقيمين في وطنهم.

ومن هذه المفارقات، أن ملامح محمود درويش لم تكن توحي بأنه عربي، وحينما يوقف سيارة أجرة يقودها سائق يهودي في مدينة حيفا، يعتقد السائق أن محمود درويش يهودي، وحينما يطلب منه بالعبرية أن يوصله إلى شارع المتنبي، يستاء السائق من هذا الاسم العربي ويجاهر بذلك، ثم يكتشف أن الشخص الذي معه عربي، فيحاول التمويه على سوء طويته دون أن يترك له محمود فرصة للتمويه!

وثمة حكايات أخرى ومضايقات يتعرض لها محمود وأبناء شعبه، يتضمنها الكتاب، وهي من النوع المضحك المبكي، وهي كلها تدلل على مدى العسف الذي تعرض ويتعرض له الفلسطينيون على أيدي حكام إسرائيل.

في مجمل هذه النصوص التي اشتمل عليها كتاب "يوميات الحزن العادي" تتخايل ملامح من السيرة الذاتية لمحمود درويش، وستتضح هذه على نحو أشمل في كتابه "ذاكرة للنسيان".

3

"ذاكرة للنسيان" كتاب نثري لم يحدد محمود درويش جنسه الأدبي. حينما نشر النص في العدد 21/ 22 من مجلة الكرمل في العام 1986، كان عنوانه: ذاكرة للنسيان/ المكان آب/ الزمان بيروت. وحينما نشره فيما بعد في كتاب، أعاد ترتيب العنوان على النحو التالي: ذاكرة للنسيان. وعند بداية النص في داخل الكتاب، كتب: سيرة يوم/ الزمان: آب/ المكان: بيروت.

والكتاب يمكن أن يدرج في أدب السيرة، رغم أنه يفيض عنها إلى سواها. فقد حشد محمود درويش ما لديه من قدرة أكيدة على كتابة السرد، واستفاد من فن كتابة الرواية ليقدم عملاً أدبياً متكاملاً، تنتظم مقاطعه الكثيرة المتفاوتة فيما بينها من حيث الطول والقصر، في بنية فنية متماسكة، حيث يبدأ الكتاب بحلم يرى فيه السارد صديقته اليهودية التي التقاها في العام 1969 في حيفا، وهي التي وصف علاقته بها لدى بلوغه الأربعين في العام 1982 كما يلي: "وهل كنت حقاً في السابعة والعشرين حين احتكّ نشيد الهوية بنشيد الأناشيد وشبّ حريق في السوسن، وسمعت آخر صرخات الحصان الهاوي من جبل الكرمل إلى البحر الأبيض المتوسط؟" ص231 (بحسب هذا النص، فإن محمود درويش يقرر أنه من مواليد العام 1942 وليس العام 1941)، ويتكرر الحلم نفسه تقريباً في الأسطر الأخيرة التي تسبق نهاية الكتاب، حيث يرى السارد المرأة نفسها في الحلم، ويدور بينهما الحوار التالي:

"- هل أحببتني؟

- لا أعرف.

- هل تحبني الآن؟

- لا.

- الرجل لا يفهم المرأة.

- والمرأة لا تفهم الرجل.

لا أحد يفهم أحداً." ص240

في "ذاكرة للنسيان" نقرأ سيرة يوم في شهر آب من العام 1982، ونرى رأي العين فداحة الآثار النفسية الناتجة عن القصف الإسرائيلي لبيروت طوال ذلك اليوم، وانعكاس هذا القصف على أمزجة الناس وتصرفاتهم ورغباتهم وأهوائهم. وتتلون أجواء الكتاب عبر السرد المتقن الذي يرصد أدق الخلجات، بألوان ذلك اليوم المقتطع من الجحيم. ومع توتر السرد والسارد يتابع تفاصيل ذلك اليوم، يصل التوتر الذي يعيشه السارد، الذي هو المؤلف محمود درويش، إلى المتلقي ويلقي به في قلب الحالة الموصوفة وفي قلب الجحيم الذي تعيشه المدينة ومن فيها من بشر.

والكتاب لا يكتفي بوصف ذلك اليوم الطويل، ولا يتحدد زمنه بزمن ذلك اليوم، بل هو يفيض عن ذلك كثيراً، حينما يستخدم محمود درويش أسلوب الحلم والتذكر وتداخل الأزمنة واستحضار الذكريات، ويلجأ إلى أسلوب التناص مستخدماً مقاطع من التوراة والإنجيل، ومن كتابات ابن الأثير، ابن كثير، أسامة بن منقذ وسرفانتس، ليطل على المأساة الفلسطينية من زوايا مختلفة، وليقدم لقارئه اجتهادات في الثقافة والفكر والأدب والسياسة وغير ذلك.

وحينما يتطلب الأمر الدخول إلى حيز التفاصيل، فإن محمود درويش يعود إلى ما اعتاده في كتاباته النثرية السابقة، وبالذات في كتابه "يوميات الحزن العادي"، لكي يقدم مادة سياسية واضحة المرامي والغايات، متخففة من اللغة الشعرية، إلا بالقدر الذي يخدم الفكرة ويعرضها ناصعة من غير سوء.

يبدأ الكتاب من لحظة حلم بلقاء تم قبل ثلاثة عشر عاماً مع تلك الصديقة، يعقبه الاستيقاظ على كابوس حقيقي قادم من جهة البحر، الجهة التي تطل عليها شقة في الطابق الثامن من عمارة، يقيم فيها محمود درويش.

منذ هذه اللحظة الكابوسية نبدأ في التعرف على معاناة السارد، على عاداته اليومية، على رغبته في فنجان من القهوة، على طريقته في صنع القهوة، على الخطر المتربص به من جهة البحر، حيث البوارج الحربية التي تقصف المدينة، وحيث الطائرات التي تلقي حممها من دون توقف على المدينة أيضاً.

ولا يفلت خيط السرد بعد ذلك أبداً، يأخذنا السارد إلى أمكنة عديدة ويجعلنا نلتقي أناساً عديدين، ولا ينسى عند اللحظة المناسبة أن يعود بنا إلى المكان الذي هو فيه وإلى ما مر عليه من زمن في ذلك اليوم الموصوف. فنراه وهو يخرج من الشقة في الصباح ويدخل بيت الجيران، يعطينا انطباعاً لا لبس فيه عن فكر الزوج وفكر زوجته التي لا تتعاطف مع الفلسطينيين. نراه وهو يمشي في الشارع الموحش، وهو يلتقي في صالة فندق وفي أمكنة أخرى بعض الأصدقاء من الكتاب والشعراء، نراه في مختلف أوقات النهار، وإزاء كل منعطف من منعطفات ذلك اليوم الطويل يتعدد السرد ويتمدد في كل الجهات. وتتخذ لغة السرد لنفسها مستويات متعددة تبعاً للحالة الموصوفة ولما يلزمها من صياغات لغوية. مرة تكون اللغة بسيطة مباشرة تعبر عن وقائع عادية أو تشرح أحوال أناس في الحصار وتحت القصف. ومرة أخرى تكون اللغة شعرية متدفقة حالمة مكتنزة بجماليات الصياغة الأدبية التي تقترب من تخوم الشعر، وما يكتنفه من غموض يتطلبه الشعر.

ويتفاوت حجم المشاهد التي يتضمنها الكتاب. مرة نجد أنفسنا أمام مشاهد خاطفة مكثفة لا تزيد عن بضعة أسطر، ومرة أخرى يستفيض السرد ويأخذ مداه في الوصف وفي تتبع الحالات والمواقف والشخوص.

وقد اتخذ محمود درويش لنفسه مبدأ محدداً تجاه الشخوص، فالذين لم يعودوا موجودين على قيد الحياة، من استشهدوا ومن ماتوا ميتة عادية، نظفر بأسمائهم ونتعرف إليهم بسهو
جميل السلحوت
 
Posts: 290
Joined: Sat Jan 24, 2009 2:30 pm


Return to Events / أحداث هامة

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 2 guests

cron