إحتضار الشرق الأوسط

إحتضار الشرق الأوسط

Postby Fadi Elhusseini » Thu Aug 01, 2013 11:58 pm

بقلم فادي الحسيني
فلسطين

منذ زمن وكأن الشرق الأوسط يبحث بلا كلل عن منابع الآلام، ويتشبث بما استطاع من قوة بأي مصدر من مصادر الأحزان، يراجع كتب التاريخ ليتصيد الإخفاقات ويرصد ما يفتت ويفرق بين عثرات الزمان، فتفتح جروح قديمة تارة، وتبتدع مآس جديدة تارات، فتستمر حالة الإحباط، وترهق النفوس وتستنزف الطاقات، ويبدأ اليأس يتسلل إلى مكنون النفوس، لتتسع الفجوة بين ثقة العودة للأمجاد وعدم اليقين من مستقبل حاضره مشبع بالنكسات، فما أن يُفارق حزن يلحقه كرب، وإذا ما أن اندمل جرح تعمقت جروح، أما المعيب فهو أن ما يحدث في أرضنا ليس بأيدي أجنبية جاءت من وراء البحار، أو من خلف الأسوار، وإنما بفعل أيدينا، وبشكل متقن وبمهارة استحقت التحية من أعداء كرهوا نهضة أمة رسمت يوماً أعظم فصول في كتب التاريخ وفي الأسفار.
قد تكون مقدمتنا متشائمة بعض الشيء، ولكنها انعكاس صادق لغيرة على ما يحل بالأمة، وبعيداً عن هذه التعبيرات، سنحاول في مقالنا اليوم تشخيص واقع الأمور، وتحليل حاضر منطقتنا، من أجل قراءة أفضل وتقدير السبيل الأمثل للخروج من أزمتنا.
ونبدأ هنا بحقيقتين في غاية الأهمية: أولاً، الشرق الأوسط باسمه الحالي هو تسمية غربية بامتياز، ابتدعتها بريطانيا لتفرق بين هذه المنطقة ومنطقة الشرق الأدنى، حيث كان ‘الشرق الأوسط’ يعني العراق وإيران وأفغانستان، أما ‘الشرق الأدنى’ فيعني بلاد الشام، ومصر، ولبنان، وفلسطين، والأردن. وكان الفريد ثاير ماهان، هو أول من أطلق مصطلح الشرق الأوسط عام 1902 في أحد مواضيع أعداد مجلة ‘The British journal National Review’، وكان بعنوان ‘الخليج الفارسي والعلاقات الدولية’، في محاولة لتعريف المنطقة الواقعة بين البحر المتوسط والهند.
توالت من بعدها التعريفات، إلاً أن هذه التسمية اكتسبت شهرة واسعة، لدرجة أن اكثر قاطني هذه المنطقة باتوا يعرفون أنفسهم بالشرق أوسطيين. اجتهد الكث111ير من الأكاديميين والكتّاب لتحديد ملامح وحدود الشرق الأوسط، جغرافياً وس11ياسياً، وأشار البعض إلى ضرورة إعادة تسمية وتعريف الشـــرق الأوسط نتيجة للغموض الذي يكتنف ملامح هذا التعريف، فحـــــتى اللحظة لا يوجد تعريف دقيق للشرق الأوسط ودوله، فبعض تعريفات الشرق الأوسط تذهب بعيداً لتشمل أفغانستان وباكستان شرقاً، وغرباً لتشمل المغرب، وشمالا لتشمل جزيرتي مالطا وقبرص وتركيا، وجنوباً لحدود منطقة اتصال العرب بالشعوب الأفريقية.
إذا ما العجب في أن تبتدع الولايات المتحدة الأمريكية مشروعاً جديداً سمته الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، فالغرب هو من أطلق التسمية الأولى، وبشكلها الحالي، وأي تسمية جديدة لن تغير كثيراً من واقع الأمور، حتى إن كان بواقعها السياسي. وهذا ما ينقلنا للحقيقة الثانية، وهي دول الشرق الأوسط. فكما هو معلوم، الاستعمار الغربي هو من قام بخلق دول في منطقتنا بحدودها الحالية، فبعد أن ظن العرب أنهم قاموا بثورة عام 1914 ليتخلصوا من الحكم العثماني، تفاجأوا بأن من تحالفوا معه لهذه الغاية كان يحيك مؤامرة أخرى في الخفاء، وكانت النتيجة استعمارا جديدا، وتفتيت للمنطقة، لخصها الأكاديمي التركي د. محمد شاهين بالقول: ‘ما حدث في الثورة العربية هو أن العرب استبدلوا أسياداً بأسياد آخرين’. وكان عام 1916 بداية رحلة تقسيم العرب، حين وقعت كل من فرنسا والمملكة المتحدة سراً على تفاهمات سايكس بيكو (المعروفة رسمياً باسم اتفاق آسيا الصغرى)، وبمصادقة من الإمبراطورية الروسية. فتم بالفعل ما أراد الغرب، وتم تقسيم المنطقة لدويلات صغيرة، تبقى حدودها محل خلاف إلى يومنا هذا، تتفسخ من خلالها القبائل والعائلات والروابط، وتجهض أية فرصة لوحدة، كما بدت عليه المنطقة قبل بدء حقبة الاستعمار. إن الهدف من وراء تقسيم المنطقة من قبل القوى الاستعمارية، هو ذات الهدف حين قسمت ذات القوى ألمانيا إلى شرقية وغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وهو إضعاف وتفتيت قوة قد تنهض يوماً وتصبح تهديداً لهيمنتهم وسيطرتهم. ومع استمرار حياة هذه الدويلات في منطقتنا، زرعت ثقافة ‘الوطن’ بديلا عن ‘الدين’ و’القومية’، فبدأت الشعوب تبتعد رويداً رويداً عن بعضها البعض، فوصل العداء والشقاق أحياناً إلى حروب بين شعوب كانت ذات يوم قوما واحدا.
الهزائم المتتالية، والانتكاسات المتتابعة جعلت العرب يبحثون عن طوق نجاة يوحدهم في مواجهة هذه التحديات، وتمثل هذا في فترة من الفترات بفكر القومية العربية، على الرغم من أنه لم تكن هناك يوماً دولة عربية موحدة تجمع العرب بحدود الوطن العربي من المغرب إلى عمان.
فلقي هذا الفكر صدى قويا في فترة الخمسينيات من القرن الماضي، خاصة مع إنشاء دولة إسرائيل، فظهرت القومية العربية كفكر مناوئ لفكر الصهيونية التي أسست دولة إسرائيل وسط شعوب العرب. بدا هذا الفكر قوياً راسخاً، فبصوت واحد وقوي رفض العرب خطة تقسيم فلسطين عام 1948، ووصلت لحد المواجهة المسلحة حيناً، والاقتصادية حيناً آخر. إلا أنه ومع مرور الوقت، بدأ الوهن يدق أواصر هذا الفكر والحراك، وبدأ الفتور يشق طريقه إلى النفوس، خاصة بعد معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية، حيث كانت بداية لفصل جديد من فصول انكفاء القومية والوحدة العربية. وحين دخلت القوات الإسرائيلية لعاصمة عربية (بيروت) عام 1982، لم يكن هناك أي صدى عربي يذكر، وعلل الكاتب برنارد لويس هذه الحالة بسبب الانشقاق الذي تسلل بين العرب، خاصة مع بدء الحرب العراقية – الإيرانية، وتوتر العلاقات بين العراق وسورية.
استمرت حالة الخسوف، ولم يؤد القصف الأمريكي على عاصمة عربية أخرى (طرابلس- ليبيا) عام 1986 إلى أي رد فعل عربي، والحالات كثر نحن في غنى عن ذكرها جميعاً. ولكن القشة التي قصمت ظهر البعير هو احتلال صدام حسين للكويت عام 1990، حيث انقسم العرب الى معسكرين متناقضين، واستقدم بعض العرب قوات أجنبية لتحرير دول عربية من احتلال دولة عربية أخرى، ثم احتل العراق، وسط صمت أو تأييد أو مساندة البعض، فدمر العراق، وقتل منه مئات الآلاف، وكأنه إعلان رسمي بتهاوي الفكر العربي القومي الوحدوي، حيث جاء نتيجة لعملية طويلة من الأفول، وليس وليد هذه اللحظة.
وحين يشعر الفرد بالخوف أو القلق، يبدأ بالبحث عن مجموعة أو عصبة يقوى بها، وهو ما فعله العرب حين بدأت العروبة تأخذ طريقها بين جموع الناس، إلا أنه ومع انكفاء العروبة، بدأ البحث عن رابط جديد، وكان هذه المرة الدين، ودخلت المنطقة في فصل جديد يصعب التنبؤ بخاتمته. وبدأت تنعكس خطورة هذا الرابط الجديد بممارسات غير مسبوقة على أرض العرب، فالاقتتال الطائفي بدأ ينتشر كالنار في الهشيم، وأصبحت منابر الإعلام أبواقا لتغذية الكراهية وزرع الطائفية، والتحريض على الآخرين، وسط تناسي الرابط الأسبق: العروبة. وإن كان هذا خيارا عربيا، إلا أن الأيدي الأجنبية لم تكن بريئة في ترسيخ وتغذية هذا الواقع، ومنذ حين. فقد قامت القوى الغربية بوضع أقليات طائفية في بلاد هي رسمت حدودها (مثل السنة في العراق، والعلويين في سورية)، وشجعت الهجرة لغير المسلمين، مقدمة لهم تسهيلات كبيرة، وغضت الطرف عن تسلح دولة ذات مذهب لكي توازن قوة دولة ذات مذهب آخر، فيبقى الصراع ويستمر الاقتتال. وما الحالة السورية إلا تجسيد لهذا التوجه الأجنبي، فيطول أمد الصراع في سورية ليستنفد المزيد من مقدرات العرب، ولكي يستدرج المزيد من محاربي الطائفتين، فيستمر الاقتتال الطائفي في سورية، بل ويتسع ليذهب أبعد من حدودها، مع تأجيج الفضائيات ووسائل الإعلام. لم يجانب الصواب من وصف الصراع في سورية بأنه حرب بالوكالة، بين قوى عالمية كبرى، إلا أن سير الأحداث يثبت، بلا شك، أن تلك القوى، حتى إن لم تتفق علانية، تقاطعت مصالحها بإطالة عمر الصراع في سورية، وتسليح واشنطن للمعارضة وموسكو للنظام، خير دليل.
ويبقى رباط الدين الأسمى والأجدر، إلا أنه من الخطــــورة ليحرق كل من يقترب منه إن أسيء استخدامه. وفي خضم البحث عن رباط يجمعنا مع استمرار الأوضـــاع التي تعيشها المنطقة، يبدو أن إعادة احياء العروبة، فكراً وشعوراً وحراكاً الأنسب، فيجمع العرب بمختلف أطيافهم، وانتـــماءاتهم، ولا يفرق بين مسلم ومسيحي، بين سني وشيعي، فالجميع عرب. ولدى العرب من المقومات الكافية الموحدة من ثقافة وتاريخ ولغة، وحتى انتكاسات ومخاوف واحدة، وهي أمور تسهل ترجمة هذا الفكر لواقع عربي وحدوي.
Fadi Elhusseini
 
Posts: 13
Joined: Thu Aug 01, 2013 11:53 pm


Return to Events / أحداث هامة

Who is online

Users browsing this forum: No registered users and 1 guest

cron